مستقبل السلطة الفلسطينية في ظل التجاذبات الإسرائيلية والمتاهات السياسية

كشفت دراسة حديثة ومعمقة عن مأزق وجودي يواجه السلطة الفلسطينية، حيث لم يعد السؤال مقتصرًا على بقائها أو انهيارها، بل امتد ليشمل طبيعة الدور الذي ستلعبه في ظل التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية. وأظهرت التحليلات أن إسرائيل لا تزال توازن بين الرغبة في إبقاء السلطة كجهاز إداري يضبط الأمن ويقدم الخدمات، وبين تعطيل قدرتها على التحول إلى كيان سيادي، مما يضع مستقبل القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق حرج.
واوضحت الورقة البحثية أن إسرائيل تتبع سياسة مزدوجة، فهي من جهة تمنع الانهيار الشامل للسلطة خشية الفراغ الأمني، ومن جهة أخرى تفرغها من مضمونها السياسي عبر تقليص صلاحياتها الجغرافية لصالح الإدارة المدنية الإسرائيلية والمستوطنات. وبينت الدراسة أن نحو 60% من مساحة الضفة الغربية تخضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، مما يحول مناطق السلطة إلى تجمعات سكانية معزولة تفتقر إلى أي تواصل جغرافي أو سيادي حقيقي.
واكدت الدراسة وجود ثلاثة تيارات إسرائيلية متنافسة تجاه السلطة، حيث يتمسك نتنياهو بالإبقاء الوظيفي للسلطة مع تقييد دورها، بينما يدفع اليمين المتطرف نحو تفكيكها بالكامل وفرض السيادة الإسرائيلية، في حين ترى المؤسسة الأمنية في السلطة ضرورة أمنية لمنع الفوضى. واضافت أن تغيير الحكومة الإسرائيلية قد لا يغير جوهر المعادلة، لأن الإجماع الإسرائيلي يرفض حاليا فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة بغض النظر عن هوية القوى السياسية الحاكمة.
واشارت الدراسة إلى أن الجانب الفلسطيني يعيش انقساما حول دور السلطة، حيث يتمسك تيار بضرورة إصلاح المؤسسات كخطوة نحو الدولة، بينما يدعو تيار آخر إلى إعادة بناء النظام السياسي عبر منظمة التحرير الفلسطينية لتجاوز أزمات السلطة الوظيفية. واوضحت أن إجراء الانتخابات المرتقبة لا يضمن استعادة الشرعية في ظل شكوك الجمهور الفلسطيني بجدوى العملية السياسية برمتها، مما يعزز سيناريو بقاء السلطة كإدارة خدمية بلا مشروع وطني ينهي الاحتلال.
وختمت الورقة بالتنبيه إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في انهيار السلطة، بل في نجاحها بالبقاء كجهاز إداري يخدم الاحتلال بينما يتآكل المشروع السياسي الفلسطيني، مما يجعل السلطة مؤسسة قائمة بلا هدف سياسي، وهو ما يخدم الرؤية الإسرائيلية في السيطرة الدائمة على الأرض والموارد.







