فرنسا في مواجهة قنبلة الديون: هل تنهار الدولة تحت وطأة الانفاق العام

تجد فرنسا نفسها اليوم في قلب منعطف مالي وسياسي بالغ الخطورة اذ تحولت سنوات طويلة من الانفاق الحكومي السخي الى عبء ثقيل يهدد استقرار الاقتصاد ثاني اكبر قوة في منطقة اليورو. وتكشف المؤشرات الحالية عن تراجع حاد في ثقة المستثمرين تجاه السندات الفرنسية مع ارتفاع تكاليف الاقتراض الى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ عقود طويلة مما يضع الحكومة في مأزق حقيقي لا يجد له النظام السياسي مخرجا واضحا حتى الان.
واكد خبراء ومحللون ماليون ان عائدات السندات الحكومية لاجل عشر سنوات اقتربت من حاجز الخمسة بالمئة وهو اعلى مستوى منذ عام 2002 مما ينذر بدخول الاقتصاد الفرنسي في حلقة مفرغة من ارتفاع تكلفة خدمة الدين التي تلتهم جزءا كبيرا من الموازنة العامة. واضافت التقارير ان حجم الديون الفرنسية وصل الى نحو 4 تريليونات دولار بما يعادل 119 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي وسط توقعات بان تصبح فوائد هذا الدين احد اكبر بنود الانفاق الحكومي بحلول نهاية العقد الحالي متجاوزة بذلك ميزانية الدفاع.
وبينت البيانات الاقتصادية ان الحكومة الفرنسية تخطط لاصدار ديون جديدة بقيمة 380 مليار دولار خلال العام المقبل في وقت توقف فيه البنك المركزي عن شراء السندات الحكومية مع تراجع شهية المستثمرين الدوليين. واوضح مراقبون ان هذه الازمة ليست وليدة اللحظة بل هي نتاج سياسات تراكمت منذ عقود حيث لم تسجل فرنسا موازنة متوازنة منذ عام 1974 واستمرت الدولة في توسيع برامج الدعم الاجتماعي والخدمات العامة.
واشار مسؤولون الى ان نهج ما يعرف بشعار مهما بلغت التكلفة الذي تبنته الحكومة خلال ازمات جائحة كورونا واضطرابات الطاقة قد تحول الى التزامات مالية دائمة ومستمرة يصعب التراجع عنها. واضافت المصادر ان اكتشاف فجوات كبيرة في الايرادات الضريبية وتجاوزات في بنود الانفاق قد فاقم من حجم العجز المالي الذي بات يتطلب اجراءات تقشفية قاسية لا يجرؤ اي طرف سياسي على تبنيها في ظل الانقسام الحاد في الجمعية الوطنية.
وذكرت التحليلات ان المشهد السياسي الفرنسي اصبح رهينة للمناورات الانتخابية مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية مما يعطل اي محاولات لفرض الانضباط المالي. وشدد اقتصاديون على ان تأثير كرة الثلج بات واضحا حيث يؤدي تراكم الدين الى ارتفاع الفوائد مما يضطر الدولة للاقتراض مجددا لتغطية الفجوات المالية وهو مسار يحذر الخبراء من انه قد يقود فرنسا الى كارثة اقتصادية اذا لم يتم اتخاذ قرارات جريئة وسريعة.
واظهرت التطورات الميدانية ان الازمة المالية تتزامن مع موجة من الاحتجاجات والاضرابات في القطاعات العامة والمدارس تعبيرا عن الغضب الشعبي تجاه تراجع الخدمات وغلاء المعيشة. واوضحت التقديرات ان الحكومة تحاول حاليا تمرير موازنة تتضمن زيادات ضريبية وتجميد بعض النفقات لكن نجاح هذا المسعى يظل معلقا بمواقف المعارضة السياسية التي ترفض تحمل تبعات التقشف.
واكد محللون ان الاسواق بدأت تفرض منطقها الخاص على فرنسا حيث بات المستثمرون ينظرون الى قدرة الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة كمعيار اساسي للاستقرار. واضافوا ان فرنسا ليست اليونان لكن حجم اقتصادها ودورها المحوري يجعل اي اضطراب داخلي فيها تهديدا مباشرا لمنطقة اليورو بالكامل وهو ما يضع باريس امام اختبار حقيقي لتحديد علاقة دولة الرفاه بالقدرة على التمويل في عالم لم تعد فيه الاموال متاحة بلا ثمن.






