عندما يسقط القناع.. من يخدم الوطن فعلًا ومن يستخدمه للوصول إلى السلطة
عندما يسقط القناع.. من يخدم الوطن فعلًا ومن يستخدمه للوصول إلى السلطة
سليم الدوابشة
هناك سؤال ربما لا نحب أن نطرحه، لكنه يستحق أن نواجهه:
هل يتنافس السياسيون فعلًا من أجل الوطن؟ أم أن الوطن أحيانًا يتحول إلى الشعار الذي تُخاض باسمه معارك المصالح؟
في كل مشهد سياسي، من الأحزاب إلى المناظرات والخطابات والاصطفافات، تبدو الصورة وكأنها صراع بين أفكار ومشاريع ورؤى مختلفة لمستقبل الدولة.
لكن خلف هذه الصورة، توجد أسئلة أكثر أهمية:
من يدفع ثمن هذا الصراع؟
ومن يستفيد منه؟
وهل كل من يرفع شعار المصلحة الوطنية يضع مصلحة الوطن فعلًا فوق مصلحته الشخصية؟
السياسة حين تتحول إلى سباق على النفوذ
المشكلة لا تكمن في اختلاف السياسيين.
الاختلاف طبيعي، بل ضروري لأي مجتمع حي.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف من تنافس على البرامج والسياسات إلى تنافس على النفوذ والقرب من دوائر القرار.
عندها تصبح التحالفات والمواقف والمناكفات أدوات للحفاظ على الحضور السياسي، بينما يتحول المواطن إلى متلقٍ لمشهد يبدو في ظاهره صراعًا على المبادئ، لكنه قد يكون في بعض الأحيان صراعًا على المواقع والمصالح.
ولهذا، فإن السياسة الحقيقية لا تُقاس بعدد الخطب التي أُلقيت، ولا بعدد الشعارات الوطنية التي رُفعت.
السياسة تُقاس بالسلوك عندما لا توجد كاميرات.
السياسي الذي يحترم القانون عندما لا يراقبه أحد، ويؤمن بالمساواة عندما لا تخدمه، ويضع مصلحة الدولة فوق مصلحته، هو الذي يمنح السياسة معناها الحقيقي.
أما من لا يتذكر القانون إلا أمام الكاميرات، ولا يتحدث عن النزاهة إلا عندما تكون في مصلحته، فالمشكلة ليست في خطابه، بل في الفجوة بين الخطاب والممارسة.
المواطن ليس سلّمًا
السياسي الحقيقي يفهم قاعدة بسيطة:
الشعب ليس أداة للوصول إلى السلطة، بل هو مصدر شرعيتها.
لا يجوز أن يتحول المواطن إلى سلّم يصعد عليه السياسي لتحقيق طموحه، ثم يُترك بعد الوصول إلى القمة يبحث عن حقوقه.
ولا يجوز أن يصبح المواطن مهمًا في موسم الانتخابات، أو في لحظة الحاجة إلى التأييد، ثم يعود بعدها إلى الهامش.
الأخطر من ذلك أن يُقنع البعض الناس بأنهم أقل فهمًا، أو أقل قدرة على اتخاذ القرار، وأن النخبة وحدها تعرف مصلحة الدولة.
فالدولة ليست ملكًا للنخب.
الدولة هي مواطن قبل أن تكون مسؤولًا، وبيت قبل أن تكون منصبًا، وحقوق قبل أن تكون امتيازات.
من يبقى عندما تضيق الخيارات؟
هناك مفارقة تستحق التأمل.
عندما تواجه الدولة أزمة حقيقية، قد يمتلك أصحاب النفوذ خيارات متعددة: حسابات خارجية، استثمارات، علاقات، وقدرة على المغادرة.
أما المواطن البسيط، فغالبًا لا يملك إلا وطنه.
هو الذي يعمل، ويدفع الضرائب، ويرسل أبناءه إلى المدارس، ويبني حياته عامًا بعد عام، ويظل متعلقًا بالأرض التي وُلد فيها.
قد لا يملك حسابًا في بنك عالمي، ولا استثمارات في الخارج.
لكنه يملك شيئًا لا يمكن قياسه بالأموال:
انتماءه إلى المكان الذي يسميه وطنًا.
ولهذا فإن الحديث عن الوطنية يجب ألا يتحول إلى أداة لقياس الناس أو تخوينهم.
الوطنية ليست امتيازًا تمنحه النخب، ولا شهادة يوزعها السياسيون على المواطنين.
الهجرة ليست مجرد أرقام
وحين ننظر إلى الشباب الأردني، فإن ارتفاع الرغبة في الهجرة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره بحثًا عن راتب أعلى.
وراء قرار الشاب بالرحيل أسئلة أكبر:
هل يجد فرصة عادلة؟
هل يشعر أن الكفاءة تكفي للوصول؟
هل يرى مستقبله داخل بلده أم خارجه؟
وهل يشعر أن الطريق مفتوح أمامه، أم أن العلاقات والواسطة والمحسوبية قد تسبق الكفاءة في بعض المجالات؟
هذه الأسئلة لا يمكن تجاهلها.
فحين يبدأ شاب مؤهل بالنظر إلى الخارج بحثًا عن فرصة، فإن القضية لا تتعلق به وحده، بل بمستقبل الدولة التي أنفقت سنوات على تعليمه وتربيته وتأهيله.
الوطن الذي يخسر شبابه لا يخسر أيديًا عاملة فقط؛ بل يخسر جزءًا من مستقبله.
أخطر ما في السياسة… أن نصدق أن الجميع أعداء
وهنا نصل إلى أخطر نقطة.
ليس كل اختلاف سياسي مؤامرة.
وليس كل خصم خائنًا.
وليس كل اختلاف في الرأي معركة بين الوطنية والخيانة.
لكن عندما يتحول الخلاف السياسي إلى وسيلة لتقسيم المجتمع، وعندما تُرفع راية الوطنية لضرب الخصوم، ويُتهم الآخر بالخيانة لمجرد اختلافه، يصبح الخلاف السياسي خطرًا على المجتمع نفسه.
لأن النتيجة في النهاية واحدة:
المواطن العادي هو الذي يدفع الثمن.
أما أصحاب النفوذ، ففي كثير من الأحيان يستطيعون الفصل بين خلافاتهم السياسية وحياتهم الخاصة.
قد تراهم يتجادلون أمام الجمهور، ثم يجلسون بعد ذلك إلى طاولة واحدة.
قد يختلفون أمام الكاميرات، ثم تجمعهم المصالح والعلاقات في أماكن أخرى.
وهنا لا تكمن المشكلة في أن يتصافح المختلفون أو يتحدثوا معًا؛ فهذا أمر طبيعي.
المشكلة الحقيقية عندما يُطلب من المواطن أن يكره شخصًا لأنه خصم سياسي، بينما يستطيع أصحاب الخلاف أنفسهم تجاوز خلافاتهم بسهولة عندما تنتهي الأضواء.
الوطن أكبر من السياسي
الوطن لا يحتاج إلى مواطنين يكره بعضهم بعضًا.
ولا يحتاج إلى طبقة تحتكر الحقيقة.
ولا يحتاج إلى سياسي يقيس وطنية الآخرين بمقدار قربهم منه.
الوطن يحتاج إلى قانون عادل، ومؤسسات قوية، وفرص متكافئة، ومساحة للاختلاف، ومواطن يشعر أن كرامته محفوظة وأن مستقبله لا يتوقف على معرفة شخص نافذ.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول المجتمع إلى طبقات:
طبقة تتحدث باسم الوطن،
وطبقة تدافع عن الوطن،
وطبقة تدفع ثمن كل شيء.
وهنا يجب أن نتذكر الحقيقة التي قد تُنسى وسط ضجيج السياسة:
المواطن ليس جمهورًا يجلس لمشاهدة اللعبة السياسية.
المواطن هو من يدفع الضرائب، ويعمل، ويبني، ويقاتل، ويضحي، ويعلّم أبناءه، ويحمل همّ المستقبل.
المواطن ليس خارج المعادلة.
المواطن هو المعادلة.
وفي النهاية، لا أحد يملك وطنًا أكثر من الآخر.
لا السياسي، ولا المسؤول، ولا الحزب، ولا النخبة.
الوطن ملك لكل من يعيش فيه ويحلم بمستقبل أفضل لأبنائه.
ولهذا، فإن حماية الوطن لا تبدأ بتخوين المختلف، ولا بتقديس المسؤول، ولا بتحويل السياسة إلى صراع شخصي.
بل تبدأ من قاعدة واحدة:
أن نعرف قيمة المواطن قبل أن نعرف قيمة السياسي.
فإذا كان أصحاب النفوذ يستطيعون أن يختلفوا ثم يجلسوا معًا على طاولة واحدة، فمن حق المواطن أيضًا أن يختلف دون أن يُخوَّن.
وفي نهاية كل هذا الصخب السياسي، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا:
الشعب ليس جمهورًا يشاهد الوطن من المدرجات…
الشعب هو الوطن نفسه.






