عرفات هاكوز يكتب: خطاب جلالة الملك اليوم ضرورة دولة وليس ترفا سياسيا
ما قاله جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يستحق أن يقرأ أبعد من حدود الخطاب الدبلوماسي المعتاد.
الخطاب وضع الأمور في سياقها الحقيقي، ما يجري في غزة، وما يحدث في الضفة الغربية، ليسا ملفين منفصلين، ولا يمكن التعامل معهما كأزمات مؤقتة ستنتهي بانتهاء جولة عسكرية أو تهدئة جديدة.
هناك واقع يُفرض على الأرض، خطوة بعد خطوة. تدمير في غزة، واستيطان ومصادرة أراضي وتهجير في الضفة، وفي النهاية نتيجة سياسية واحدة: تقويض أي إمكانية حقيقية لقيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.
وهنا كانت أهمية الخطاب ووضوحه.
لأن المشكلة لم تعد في نقص القرارات الدولية، ولا في غياب الأدوات. العالم يعرف ما يحدث، والقوانين موجودة، وكذلك أدوات الضغط والمحاسبة. المشكلة هي في الإرادة السياسية، وفي أن القانون الدولي أصبح يُطبق بصرامة في ملفات، ويجري تجاوزه أو تعطيله في ملفات أخرى.
وهذه ليست مسألة فلسطينية فقط.
عندما يصبح القانون خاضعاً لموازين القوة، وعندما يسمح بفرض الوقائع بالقوة ثم يطلب من الجميع التعايش معها لاحقا، فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام خلل يصيب النظام الدولي نفسه.
والأهم بالنسبة لنا في الأردن أن الخطاب لم يتحدث عن المنطقة من موقع المتفرج.
ما يجري في فلسطين، وما يحدث في جنوب سوريا، وأي مساس بالحدود أو المياه، ليس بعيداً عن أمننا الوطني. وحين يكون الموقف واضحاً بأن أمن الأردن وحدوده ومياهه وسيادته ليست موضع اختبار أو مساومة، فهذه رسالة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
الأردن اختار دائماً طريق السياسة والدبلوماسية والسلام، لكن ذلك لا يعني أن عليه أن يقبل بأي واقع يفرض حوله، ولا أن تفهم عقلانيته السياسية باعتبارها ضعفا.
هناك فرق كبير بين أن تكون دولة تبحث عن الاستقرار، وبين أن تكون دولة مستعدة للقبول بكل ما يفرض عليها باسم الاستقرار.
ودعم فلسطين بالنسبة للأردن ليس شعارا سياسيا ولا موقفا موسميا. القضية مرتبطة مباشرة بأمن المنطقة واستقرارها، وبمصالح الأردن نفسه، وبالقدس والوصاية الهاشمية، وبحق الشعب الفلسطيني في أن يعيش على أرضه من دون تهجير أو ضم أو اقتلاع.
لهذا أعتقد أن أهم ما في خطاب اليوم أنه أعاد وضع النقاش في مكانه الصحيح.
المسألة ليست فقط كيف تتوقف الحرب، بل ماذا سيأتي بعدها؟
هل تكون النتيجة عودة إلى القانون والسياسة، أم تثبيت ما فرضته القوة على الأرض؟
هل يبقى الحديث عن الدولة الفلسطينية مشروعاً سياسيا قابلاً للتحقق، أم يتحول إلى عنوان فارغ بينما تلغى شروط قيامها على الأرض؟
وهل يقبل العالم أن تتحول الحروب إلى وسيلة لإعادة رسم الجغرافيا والحدود وخلق حقائق جديدة، ثم يطالب شعوب المنطقة بعد ذلك بالتكيف معها؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
لأن أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم ليس استمرار الحرب وحده، بل أن تتحول نتائج الحرب إلى واقع دائم.
أن يصبح التهجير سياسة.
والضم أمراً واقعاً.
والاحتلال حالة طبيعية.
والقانون الدولي نصا يستخدم عندما يناسب الأقوياء ويعطل عندما يقيدهم.
وهنا تحديداً تبرز أهمية الموقف الأردني.
من يريد السلام، فعليه أن يحترم شروط السلام.
ومن يريد الاستقرار، فعليه ألا يصنع كل يوم أسباب انفجار جديد.
ومن يريد نظاما دوليا له معنى، فعليه أن يطبق القانون على الجميع.
أما فرض الوقائع بالقوة، ثم مطالبة المنطقة بالصمت والتكيف معها، فلن يصنع سلاما ولا استقرارا.
بل سيؤسس لجولة أكثر خطورة، وأوسع من حيث الجغرافيا، وأعلى كلفة على الجميع.
وفي لحظة كهذه، وضوح الموقف الأردني ليس ترفا سياسيا.
إنه ضرورة دولة.






