هندسة الميدان في غزة.. كيف تحول الجرافات جغرافيا القطاع إلى ساحة سيطرة عسكرية

لا تقتصر عمليات تجريف الركام في قطاع غزة على مجرد إزالة آثار الدمار بل تتجاوز ذلك لتصبح استراتيجية عسكرية تهدف إلى إعادة تشكيل الميدان بما يخدم السيطرة الميدانية ويمنح القوات قدرة أكبر على المناورة والرصد. ويؤكد خبراء عسكريون أن البيئة العمرانية في المدن تعد عنصرا حاسما في القتال حيث توفر الأبنية والأنقاض ساترا للمقاومة وتعوق حركة الآليات الثقيلة. ولذلك فإن إزالة هذه العوائق تهدف إلى تجريد الميدان من الغطاء العمراني وتحويله إلى منطقة مكشوفة تسهل السيطرة عليها وتحد من مخاطر الالتفاف والمباغتة.
واضاف الخبراء أن هذا النهج يندرج ضمن مفهوم إعادة هندسة البيئة الأمنية والاجتماعية في القطاع بغرض تثبيت واقع ميداني جديد يغير معادلات المواجهة التقليدية. وبينت التحليلات أن عمليات التجريف الواسعة تسعى إلى خلق مجالات رؤية واسعة تتيح للقوات العسكرية حرية الحركة دون الاعتماد على الكتل البشرية أو التحصينات التقليدية التي كانت تعوق تحركاتها في السابق.
واشار المختصون إلى أن محور نتساريم يمثل النموذج الأبرز لهذه السياسة حيث أنشأ الاحتلال منظومة عسكرية متكاملة مدعومة بتجريف مناطق واسعة بعمق يصل إلى ثلاثة كيلومترات في محيط المحور. واوضح أن الهدف من هذا المخطط هو إبعاد أي غطاء عمراني عن محيط المواقع العسكرية وتحويل المنطقة إلى نطاق عازل ومكشوف تماما يصعب اختراقه أو استغلال تضاريسه في عمليات التخفي أو الاقتراب من القوات المتمركزة.
وذكر التحليل أن هذه الاستراتيجية تعتمد على عسكرة البيئة المدنية عبر إخضاع كافة عناصر الحياة من طرق ومرافق لمتطلبات السيطرة والقتال. واكد أن السيطرة لم تعد مقتصرة على الموقع العسكري ذاته بل امتدت لتشمل المجال المحيط به بالكامل لضمان تأمين خطوط الرؤية والتحرك الدائم للآليات العسكرية.
وبين التقرير أن حجم الركام في غزة يقدر بنحو خمسين مليون طن مما يجعل عملية إزالته وتجاوز آثار الحرب تتطلب تكاليف باهظة قد تتجاوز مئة مليار دولار. وشدد على أن عمليات التجريف المستمرة تثير مخاوف حقوقية وإنسانية كبيرة تتعلق بصعوبة انتشال جثامين المفقودين من تحت الأنقاض وطمس الأدلة الميدانية التي قد تدين الانتهاكات في مناطق العمليات العسكرية.
وكشفت التقديرات الميدانية أن العائلات الفلسطينية وطواقم الإنقاذ تواجه تحديات مضاعفة في الوصول إلى المناطق التي خضعت لعمليات التجريف المكثفة. واضافت أن هذه الممارسات لا تكتفي بتغيير جغرافيا الأرض أثناء القتال بل تمتد لتهدد قدرة السكان على العودة إلى أحيائهم واستعادة مقومات حياتهم الطبيعية في المستقبل.







