ريم هاكوز تكتب: الإعلام والسياحة, كيف تصنع الكاميرا والكلمة وجهة سياحية ناجحة؟
الإعلام كشريك استراتيجي في صناعة السياحة الحديثة
لطالما ارتبطت السياحة في أذهاننا بالصور البراقة للمعالم الأثرية والشواطئ المشمسة. لكن خلف هذه الصور، التي تبدو عفوية، تقف صناعة إعلامية معقدة وقوية، أصبحت اليوم الشريك الاستراتيجي الأول، بل والمحرك الأساسي، لنجاح أي وجهة سياحية في العالم. كمتخصصة تجمع بين عالمي الإعلام والسياحة، أرى أن فهم هذه العلاقة لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة حتمية لصانعي السياسات والمستثمرين في هذا القطاع الحيوي.
العلاقة بين الإعلام والسياحة ليست وليدة اليوم؛ فمنذ أن كانت كتابات الرحالة في القرن التاسع عشر ترسم صوراً ذهنية عن "الشرق الغامض"، والإعلام يلعب دور "صانع الصورة" (Image Maker). لكن ما تغير بشكل جذري هو الأدوات، والسرعة، وحجم التأثير. لقد انتقلنا من علاقة أحادية الاتجاه، حيث كانت وسائل الإعلام التقليدية (التلفزيون، الصحف) تبث رسالة موحدة، إلى نظام بيئي إعلامي متشعب وديمقراطي، أصبح فيه كل فرد سائحاً محتملاً وإعلامياً في آن واحد.
"تأثير نتفليكس": عندما تصبح الدراما دليلاً سياحياً
لعل أبرز تجليات هذه العلاقة هو ما يمكن تسميته بـ "تأثير نتفليكس" أو "سياحة مواقع التصوير" (Set-Jetting). لم تعد الأعمال السينمائية والدرامية مجرد ترفيه، بل أصبحت أقوى حملة تسويقية يمكن لوجهة ما أن تحظى بها. عندما تابع الملايين مسلسل "صراع العروش" (Game of Thrones)، لم يكونوا يشاهدون ممالك ويستروس الخيالية فحسب، بل كانوا يتلقون، دون وعي، دعوة مفتوحة لزيارة كرواتيا، وأيسلندا، وأيرلندا الشمالية. وقد أظهرت الدراسات ارتفاعاً هائلاً في أعداد السياح لهذه المواقع وصل إلى 300% في بعض الحالات.
هذا التأثير لا يقتصر على الأعمال العالمية. في الأردن، لم يكن فيلم "علاء الدين" أو "المريخي" مجرد إنتاجات ضخمة استضافتها المملكة، بل كانت إعلاناً عالمياً عن القدرات اللوجستية والمناظر الطبيعية الخلابة في وادي رم، مما رسخ صورته كـ "سطح المريخ على الأرض" ووضعه على قائمة أمنيات ملايين المسافرين. إن الاستثمار في تسهيل الإنتاج السينمائي هو استثمار مباشر في أصول سياحية طويلة الأمد.
من الدليل السياحي إلى المؤثر الرقمي: تغيير حارس البوابة
في الماضي، كان "حراس البوابة" التقليديون هم وكالات السفر وأدلة السياحة المطبوعة. اليوم، انتقلت هذه السلطة إلى جيش من المدونين، والمؤثرين على انستغرام، وصناع المحتوى على يوتيوب. لقد تغير منطق الثقة؛ فالمسافر الحديث يثق في تجربة شخص حقيقي يتابعه أكثر من ثقته في إعلان مدفوع.
هنا يكمن التحدي والفرصة. لم يعد يكفي أن تكون الوجهة جميلة، بل يجب أن تكون "قابلة للمشاركة" (Instagrammable). إن بناء علامة تجارية سياحية ناجحة اليوم يتطلب فهماً عميقاً لكيفية صناعة "القصة الرقمية". لا يتعلق الأمر فقط بدعوة مؤثر لالتقاط صور جميلة، بل بتمكينه من عيش تجربة أصيلة يمكنه ترجمتها إلى محتوى جذاب وموثوق. إن قصة مؤثر واحد عن كرم الضيافة في قرية أردنية صغيرة قد يكون لها تأثير يفوق حملة إعلانية بملايين الدولارات.
الإعلام كأداة لإدارة الأزمات وبناء المرونة
العلاقة بين الإعلام والسياحة لا تقتصر على الجانب الإيجابي. فكما يمكن للإعلام أن يبني وجهة، يمكنه أيضاً أن يدمرها في لحظات. صورة واحدة سلبية، أو تغطية إعلامية لأزمة أمنية أو صحية، يمكن أن تمحو سنوات من العمل التسويقي.
وهنا يبرز دور الإعلام كأداة استراتيجية لإدارة السمعة وبناء المرونة. إن الشفافية، وسرعة الاستجابة، والتواصل الاستباقي عبر القنوات الإعلامية الصحيحة أثناء الأزمات هي التي تفرق بين وجهة تتعافى بسرعة وأخرى تنهار. إن بناء علاقات قوية وموثوقة مع وسائل الإعلام المحلية والدولية قبل وقوع الأزمة هو خط الدفاع الأول لأي قطاع سياحي.
نحو تكامل استراتيجي
في الختام، يجب أن تتوقف وزارات السياحة وهيئات التنشيط عن النظر إلى الإعلام كمجرد قناة لنشر الإعلانات. يجب أن يُنظر إليه كشريك استراتيجي متكامل في كل مراحل التخطيط والتنفيذ. إن الاستثمار في الإعلام لا يعني فقط شراء مساحات إعلانية، بل يعني:
- دعم صناعة السينما والدراما المحلية والعالمية.
- بناء برامج شراكة ذكية وطويلة الأمد مع صناع المحتوى الرقمي.
- تدريب الكوادر السياحية على فهم متطلبات الإعلام الجديد.
- تطوير استراتيجيات إعلامية لإدارة الأزمات بفعالية.
إن الوجهة السياحية الناجحة في القرن الحادي والعشرين ليست مجرد مكان، بل هي "قصة" يتم سردها ببراعة عبر كل المنصات المتاحة. ومن يتقن فن سرد هذه القصة، هو من سيربح السباق.








