اقتصاد البيانات.. كيف تتحول بصمتك الرقمية إلى ثروة طائلة للشركات الكبرى

في ظل التحول الرقمي المتسارع، لم تعد البيانات مجرد سجلات عابرة لنشاطك اليومي على شبكة الإنترنت، بل تحولت إلى مورد اقتصادي ضخم تتسابق الشركات العالمية على استغلاله. وبينما يتساءل الكثيرون عن القيمة المالية المباشرة لمعلوماتهم الشخصية، يظهر واقع معقد يكشف أن البيانات لا تُباع كسلعة تقليدية، بل تُستخدم كوقود أساسي لمحركات الذكاء الاصطناعي وتطوير نماذج التنبؤ بالسلوك، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول من يملك هذه القيمة ومن يستفيد من عوائدها الضخمة.
واوضحت تقارير حديثة أن قيمة البيانات لا تكمن في المعلومة المنفردة، بل في قدرة الخوارزميات على ربط سجلات التصفح والموقع الجغرافي ونوع الجهاز، لتشكيل ما يشبه البصمة الرقمية المتكاملة التي تسمح للشركات بفهم توجهات المستهلك والتنبؤ بقراراته الشرائية قبل اتخاذها فعليا. واضاف الخبير في الذكاء الاصطناعي هاني البطش أن الذكاء الاصطناعي نقل الاقتصاد من مرحلة الجمع إلى مرحلة الفهم العميق، حيث تستنتج الأنظمة اهتمامات المستخدم بناء على إشارات سلوكية دقيقة، مما يجعل البيانات أصلا استراتيجيا يتجاوز مجرد كونه سجلا للمواقع.
واكدت البيانات المتاحة أن سوق الإعلان الرقمي يمثل المقياس الأوضح لحجم هذا الاقتصاد، حيث قفزت إيرادات الإعلان عبر الإنترنت في الولايات المتحدة لتصل إلى نحو 295 مليار دولار، بينما شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموا لافتا في الإنفاق الإعلاني الرقمي ليتجاوز 8 مليارات دولار. وبينت المؤشرات أن هذه الأرقام ليست ثمنا مباشرا لبيانات المستخدمين، بل هي انعكاس لقوة التحليلات والقدرة على توجيه الإعلانات بدقة متناهية، وهو ما يفسر لماذا تظل الخدمات الرقمية مجانية في ظاهرها بينما تتنافس الشركات على الوصول إلى بيانات مستخدميها.
واوضحت التحقيقات الصحفية الأخيرة أن استغلال البيانات يتجاوز حدود الإعلانات ليصل إلى مجالات حساسة مثل الصحة، حيث أثارت اتفاقيات دولية مخاوف بشأن السيادة الرقمية بعد الكشف عن صفقات مساعدات تربط التمويل المالي بالوصول إلى سجلات صحية وطنية لسنوات طويلة. وشدد الخبراء على أن إمكانية إعادة تحديد هوية الأفراد من خلال تقنيات متطورة تجعل من البيانات الصحية أصولا وطنية يجب حمايتها، خاصة في ظل سعي الشركات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على مجموعات بيانات ضخمة تعود لأغراض تجارية.
واشار الباحثون إلى أن الصعوبة في وضع سعر ثابت للبيانات تعود لكونها مادة خام تكتسب قيمتها من خلال المعالجة والتحليل، مما يجعل قوانين حماية الخصوصية في دول مثل السعودية وقطر وأوروبا خطوة ضرورية لتنظيم هذا السوق. واختتم البطش موضحا أن التحدي الحقيقي يكمن في الشفافية، فالمستخدم يحتاج لمعرفة كيف تُستخدم بياناته، حيث أن البيانات هي المادة الخام، بينما يظل الذكاء الاصطناعي هو المصنع الذي يحولها إلى معرفة وتوقعات وقيمة اقتصادية تساهم في تشكيل ملامح الاقتصاد الرقمي العالمي.







