فخ الخرائط الذكية.. كيف تعيد خوارزميات الملاحة صياغة زحام المدن وتخنق شوارعنا؟

يستيقظ الاف السائقين يوميا في المدن الكبرى ليجدوا انفسهم رهينة لخط ازرق رقمي يعدهم باختصار زمن الرحلة، حيث يتبع الجميع توصيات تطبيقات الملاحة الذكية في وقت واحد، مما يحول الشوارع التي كانت هادئة الى ممرات مزدحمة بشكل غير متوقع، ويؤدي هذا السلوك الجماعي الى انتقال الاختناق المروري من المحاور الرئيسية الى الاحياء السكنية الضيقة التي لم تصمم لاستيعاب هذا التدفق الهائل من السيارات.
واوضحت الدراسات الحديثة ان المشكلة تكمن في التباين الجوهري بين اختيار المسار الامثل لسائق واحد وبين اختيار المسار الافضل للمدينة ككل، اذ تعمل الخوارزميات وفق مبدأ التوجيه الاناني الذي يهدف لتقليل زمن الرحلة للفرد دون النظر الى الاثار الجانبية على بقية شبكة الطرق، واضاف الباحثون ان الاعتماد المفرط على هذه التطبيقات يؤدي الى ما يسمى بتأثير التركز، حيث تقترح الخوارزميات مسارات متشابهة لافواج من السائقين مما يقلل تنوع الطرق المستخدمة ويزيد الضغط على شوارع معينة.
وبينت الابحاث التي اجريت مؤخرا في مدن اوروبية ان زيادة نسبة المستخدمين لهذه التقنيات ادت الى انخفاض تنوع المسارات بنسبة تصل الى 14 بالمئة، وشدد الخبراء على ان هذه التطبيقات قد تكون مفيدة عند مستويات تبني منخفضة، لكن فوائدها تتلاشى وتتحول الى عبء مروري عندما ترتفع نسبة الاعتماد عليها لتصبح هي الموجه الوحيد لحركة المرور في المدينة، واكدت النتائج ان الخوارزميات ترى الطريق كخطوط وارقام ولا ترى المدينة كنسيج اجتماعي وعمراني متكامل.
واشارت التجارب الميدانية الى ان تعديل قواعد التوجيه الخوارزمي لتشجيع السائقين على سلك طرق بديلة ذات زمن مماثل يمكن ان يرفع سرعة تدفق السيارات ويقلل الانبعاثات الكربونية، واضاف القائمون على هذه الدراسات ان الحل يكمن في تعاون البلديات مع شركات التقنية لتبادل البيانات وتصميم انظمة توجيه تأخذ في الحسبان حالة شبكة الطرق كمنظومة مترابطة وليس كرحلات فردية منفصلة.
وكشفت التجارب العالمية مثل انظمة التسعير المروري في سنغافورة ولندن ان الحلول الاقتصادية والتنظيمية قد تكون اكثر فعالية في ادارة الازدحام من الاعتماد الكلي على التوجيه التقني، واكد الباحثون في ختام رؤيتهم ان المدينة تحتاج الى توازن دقيق بين كفاءة التقنية وسلطة التخطيط العمراني لضمان ان تظل الطرق وسيلة لخدمة السكان لا مصدرا دائما للاختناق والتوتر اليومي.







