تحولات هيكلية في بنية حزب الله بعد عامين من المواجهات العسكرية

شهدت الساحة اللبنانية تغيرات جوهرية في وضع حزب الله الميداني والسياسي بعد عامين من الحرب الواسعة التي اندلعت في سبتمبر من عام 2024، حيث فرضت التطورات العسكرية واقعا جديدا على التنظيم الذي واجه خسائر فادحة في بنيته القيادية واللوجستية، مما أدى إلى تراجع ملموس في قدراته العسكرية التقليدية وانحسار نفوذه الجغرافي بشكل كبير مقارنة بما كان عليه الحال قبل اندلاع الصراع.
وقال خبراء في شؤون الأمن والدفاع إن الحزب يواجه اليوم معادلة معقدة للغاية، تتداخل فيها تداعيات فقدان معظم قيادات الصفين الأول والثاني مع تقلص ملحوظ في ترسانته الصاروخية ومخزونه من المسيرات، مبينا أن الإدارة الميدانية للحزب أصبحت تخضع لتوجيه إيراني مباشر وأكثر مركزية، وهو ما يمثل تحولا جذريا في نمط العمل التنظيمي الذي كان يعتمد في السابق على استقلالية محلية نسبية في اتخاذ القرارات الميدانية.
واضاف المحللون أن التراجع في قدرات الحزب تجاوز النصف تقريبا، حيث انتقلت قواته من التمركز المباشر على الحدود إلى مواقع خلفية شمال نهر الليطاني، مما جعل منطقة النبطية بمثابة خط تماس فعلي بين الحزب والقوات الإسرائيلية، موضحا أن انقطاع خطوط الإمداد عبر سوريا شكل ضربة قوية لقدرة الحزب على تعويض خسائره العسكرية المتلاحقة، وأضعف من حضوره السياسي داخل الساحة اللبنانية.
وشدد خبراء عسكريون على أن حالة الهدوء الحالية التي يتبعها الحزب في الرد على العمليات الإسرائيلية قد لا تعني فقدان القدرة القتالية كليا، بل تشير إلى وجود مساع حثيثة لإعادة التنظيم وترميم الجاهزية القتالية وفق معطيات جغرافية وميدانية جديدة، مؤكدا أن الحزب يحاول استبدال الكوادر المفقودة بعناصر جديدة بعيدا عن الأضواء لتجنب كشف هيكليته التنظيمية المستجدة أمام الاستخبارات المعادية.
وبينت القراءات التحليلية أن الحزب دخل في مراحل متعددة من المواجهة، بدءا من فترات الهدوء التكتيكي وصولا إلى فترات الاشتباك المباشر، موضحا أن المشهد الحالي يتسم بقلة العمليات العسكرية التي ينفذها الحزب مقابل تكثيف إسرائيلي للغارات والاغتيالات، مما يفرض على قيادة الحزب تبني استراتيجيات دفاعية وهجومية مختلفة كليا تتناسب مع واقع الانتشار الجديد في مناطق مثل جزين والبقاع الغربي.
واكد المراقبون أن الصورة النهائية التي تظهر عليها مؤسسة الحزب اليوم هي صورة تنظيم يحاول التكيف مع خسائر جسيمة، مع احتفاظه بحد أدنى من الإمكانات التي تسمح له بالاستمرار، موضحا أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة الحزب على استعادة توازنه الميداني في ظل التحولات الإقليمية والمحلية المتسارعة التي أعادت رسم خارطة النفوذ في جنوب لبنان.






