خلف الستار الطبي.. لماذا تظهر امراض مناعية غامضة في عصرنا الحالي؟

تشهد المنظومة الصحية العالمية تصاعدا ملحوظا في رصد امراض المناعة الذاتية التي بدات تاخذ حيزا اكبر من الاهتمام العلمي والبحثي. وتكشف التقديرات الحديثة ان هذه الاضطرابات قد تطال نسبة تتراوح بين خمسة الى عشرة بالمئة من سكان العالم. واظهرت دراسة موسعة شملت ملايين السجلات الطبية في بريطانيا ان هناك تسعة عشر مرضا مناعيا تتفشى بين الناس بمعدلات متفاوتة. وبينما لا تزال الاسباب الدقيقة لهذا الانتشار قيد البحث. يرجح العلماء ان تداخل العوامل البيئية ونمط الحياة الحديث يلعب دورا محوريا في زيادة هذه الحالات خلال العقود المقبلة.
واوضحت الدراسات ان امراض المناعة الذاتية تنشا عندما يعجز جهاز المناعة عن التمييز بين خلايا الجسم السليمة والعناصر الضارة. مما يدفعه لمهاجمة الانسجة الذاتية والتسبب في التهابات مزمنة وتلف في الاعضاء. واضاف الباحثون ان التفاعل المعقد بين الاستعداد الجيني والمحفزات الخارجية مثل العدوى والتدخين والمواد الكيميائية والتلوث يساهم بشكل مباشر في تحفيز هذه الامراض. واكدت النتائج ان التطور الهائل في تقنيات التسلسل الجيني سمح للطب بتسمية حالات نادرة كانت تصنف سابقا تحت تشخيصات عامة او غامضة.
واشارت التقارير العلمية الى ظهور متلازمات مثل فيكساس وسافي وكوبا التي صنفت كاضطرابات التهابية ذاتية دقيقة. واكد المتخصصون ان متلازمة فيكساس التي اكتشفت حديثا ترتبط بطفرات مكتسبة تظهر غالبا لدى الرجال بعد سن الخمسين. واضافوا ان متلازمة سافي التي تصيب الاطفال ناتجة عن فرط نشاط بروتيني يؤدي لالتهابات وعائية حادة. واظهرت الابحاث ان متلازمة كوبا المرتبطة بطفرات جينية قد تظل كامنة لدى البعض دون ظهور اعراض واضحة ما لم تتدخل عوامل بيئية محفزة.
واكدت الدراسات ان تزايد رصد هذه الامراض لا يعني بالضرورة حداثة نشوئها بل يعكس دقة التشخيص الجيني الذي مكن الاطباء من كشف ما كان مجهولا. واضاف الخبراء ان هناك ارتفاعا حقيقيا في نسب الاصابة بامراض التهابية ومناعية نتيجة تعرض البشر المتزايد لمواد كيميائية ابدية مثل مركبات بي اف اي اس التي اثبتت الدراسات ارتباطها ببعض الامراض المعوية والمناعية. وشدد الباحثون على ان المبيدات الزراعية والعدوى الفيروسية مثل كوفيد تسعة عشر قد تعمل كمحفزات اضافية تزيد من خطر الاصابة بهذه الاضطرابات.
وبينت التحليلات ان لغز امراض المناعة لا يزال غير مكتمل المعالم في ظل تعدد العوامل المتداخلة. واكد العلماء ان الثورة العلمية في فهم الجينات منحت البشرية قدرة غير مسبوقة على رؤية اعطال الجهاز المناعي وفهم مساراتها. واضافوا في ختام تقاريرهم اننا امام سباق علمي طويل لفهم كيف تتفاعل البيئة مع اجسادنا في ظل عالم متغير لا يزال يخفي الكثير من اسرار المناعة البشرية.







