أوس عبيدات يكتب: المؤتمر العام للحزب الديمقراطي مراجعة مسؤولة ومسار إصلاحي لا يحتمل المزاودات
بقلم: أوس حسن عبيدات
عضو المجلس العام – حزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني
المؤتمر العام الاستثنائي للحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني: مراجعة مسؤولة ومسار إصلاحي لا يحتمل المزاودات
لم يكن انعقاد المؤتمر العام الاستثنائي لحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني حدثًا تنظيميًا تقنيًا، بل محطة سياسية متقدمة، عكست وعي الحزب بضرورة التوقف الجاد أمام تجربته بعد مرور أكثر من عام ونصف على الانتخابات النيابية، التي شارك فيها الحزب في ظرف سياسي مركّب، داخليًا وإقليميًا، ما زالت تداعياته تلقي بظلالها على المشهد العام.
من موقع مسؤوليتي كعضو في المجلس العام، ومن خلال ما لمسته مباشرة في النقاشات التي دارت داخل قاعة المؤتمر، يمكن القول إن ما جرى لم يكن تمرينًا شكليًا على الديمقراطية، بل ممارسة حقيقية لها. فُتحت الملفات بلا تردد، ونوقشت الخيارات السابقة بلا مواربة، بعيدًا عن ثقافة التبرير أو الهروب إلى شماعة العوامل الخارجية. وهذا، في العمل الحزبي، مؤشر صحة وقوة، لا ضعف كما يحاول البعض الإيحاء.
لقد عبّر المؤتمر بوضوح عن هوية الحزب الديمقراطية، بوصفه كيانًا سياسيًا يؤمن بأن المراجعة والنقد الذاتي ليسا ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا أساسيًا لأي تطور. لم يكن هناك رأي واحد مفروض، ولا اتجاه مُقدّس، بل نقاشات عميقة عكست تنوع المدرسة الديمقراطية الاجتماعية داخل الحزب، وانتهت إلى قناعة مشتركة بأن الجمود هو الخطر الحقيقي، لا الاختلاف.
الإصلاح الحزبي: من الخطاب إلى البنية
ما طُرح في المؤتمر يتجاوز الشعارات العامة عن “التجديد” و”التطوير”. نحن أمام رؤية إصلاح حزبي تمسّ بنية اتخاذ القرار، وآليات العمل التنظيمي، وطبيعة الخطاب السياسي، بحيث يصبح أكثر التصاقًا بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للمواطن الأردني، وأقل انغماسًا في لغة نخب مغلقة لا تخاطب إلا نفسها.
الإصلاح الذي نؤمن به لا يعني القفز في المجهول، ولا التنصل من التجربة السابقة، بل إعادة قراءتها بعقل بارد، واستخلاص الدروس منها بجرأة، وفتح المجال أمام قيادات جديدة وكفاءات حقيقية قادرة على العمل بروح جماعية، لا بعقلية الاصطفاف أو الامتلاك السياسي. وهذا حديث قد لا يرضي الجميع، لكنه ضروري.
في مواجهة العبث السياسي المقنّع بالنقد
في المقابل، لا يمكن تجاهل الأصوات التي اختارت، بعد المؤتمر، أن تمارس دورًا تخريبيًا تحت مسمى “الحرص على الحزب”. أصوات اعتادت إشعال طرقات سياسية جانبية، بلا بوصلة ولا جدوى، هدفها الحقيقي إرباك أي مسار إصلاحي، وضرب الثقة بأي وجوه جديدة تحاول أن تعمل خارج منطق الأسماء المستهلكة والرؤى المتكلسة.
النقد مسؤولية، نعم. لكن ما نشهده من بعض الأطراف ليس نقدًا، بل إعادة إنتاج لخطاب إحباطي لا يقدم بديلًا، ولا يطرح رؤية، بل يكتفي بالتشكيك والتقويض، وكأن بقاء الحزب في حالة شلل دائم هو الخيار الأكثر أمانًا سياسيًا.
هذا النوع من الخطاب لا يخدم الحزب، ولا الديمقراطية، ولا حتى أصحابه. وهو انعكاس واضح لعجز عن التكيّف مع منطق التطور الطبيعي في أي كيان سياسي حي، ولرفض غير معلن لأي انتقال من حزب مغلق على ذاته إلى حزب مؤسسي مفتوح على المجتمع.
الخلاصة: حزب يتقدم… رغم الضجيج
المؤتمر العام الاستثنائي أكد أن حزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني قرر أن يتقدم إلى الأمام، لا أن يبقى رهينة لصراعات داخلية عقيمة أو نوستالجيا سياسية لم تعد صالحة لهذا الزمن. الطريق ليس سهلًا، لكنه واضح: إصلاح داخلي حقيقي، عمل مؤسسي جاد، وتجديد في الفكر والأدوات.
أما محاولات الشد إلى الخلف، فلن توقف هذا المسار، لأنها ببساطة خارج الزمن السياسي الجديد الذي يفرض نفسه، داخل الحزب وخارجه.
فالديمقراطية لا تُدار بالهمس، ولا تُبنى بالخوف من التغيير. ومن لا يحتمل هذا الواقع، فالمشكلة ليست في الحزب… بل في قراءته للمشهد.







