أطفال غزة يواجهون واقعا قاسيا: قروح وفقر دم يهدد مستقبل جيل كامل

في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تقف الجدة ام محمد ابو الكاس من مدينة غزة عاجزة امام احفادها الاطفال الذين ينهكهم البكاء، ليس فقط من الجوع، بل بسبب القروح التي غطت اجسادهم الصغيرة نتيجة استخدام القماش واكياس النايلون كبدائل للحفاضات التي اصبح ثمنها يفوق قدرة العائلات النازحة.
وبينما تنشغل ام الطفل في تهدئة رضيعها، تقول الجدة التي تسكن مع عائلتها في خيمة مهترئة ان احفادها لا ينامون الليل من البكاء، وسعر الحفاضات اصبح خياليا، فلا يستطيعون شراء القطعة الواحدة، فالعبوة الواحدة كان سعرها قبل الحرب لا يتعدى 20 شيكلا، اما اليوم فيتجاوز ثمنها 150 شيكلا وهو في ارتفاع مستمر، وهذا مبلغ كبير بالنسبة لاسرة بلا دخل في غزة.
وتتساءل الجدة كيف لطفل عمره ايام النوم دون ما يلزمه من احتياجات، وتكمل ان الطفل لا ينام الليل وهو يبكي ايضا من شدة الجوع، فلا حليب لديه، وسعر العلبة ايضا ارتفع والتسلخات من استخدام القماش باتت ظاهرة على جسده الصغير.
اما السيدة دنيا دلول من حي الزيتون بمدينة غزة، فهي الاخرى ام لخمسة اطفال، بينهم طفلها الذي تحمله على يديها قادمة من مسافات بعيدة بعد ان انهكها البحث عن حفاضات له، تروي بملامح يكسوها العجز فصلا من فصول القهر اليومي بعد ان صارت تبحث عن بدائل بدائية من بقايا القماش المتهالك لتنظيف طفلها.
لكن المأساة لا تتوقف عند ندرة هذه الاحتياجات الصحية، بل تمتد الى غياب الماء والصابون الذي احال جسد الصغير الى خارطة من التسلخات والالتهابات الحادة، كما تقول دنيا.
وتضيف بنبرة يملؤها القهر انه لا توجد حفاضات تحافظ على نظافته ولا صابون، وحتى المراهم التي قد تخفف حروق جلده باتت مفقودة او باسعار خيالية، وكذلك الملابس، فالوضع صعب جدا وابنها يعاني، وهي تستخدم له القماش وهو خشن على جلده ولا بديل.
من جانبها، لم تكن سهيلة الخور تتخيل يوما ان يكبر احفادها في هذه المأساة، او ان تعجز عن توفير ابسط متطلبات طفولتهم، فبينما يصارع والد الاطفال مرض القلب الذي اقعده عن العمل والقدرة على تامين لقمة العيش، وجدت الجدة نفسها في مواجهة مباشرة مع غلاء فاحش لا يرحم.
تتحدث سهيلة بقلب مثقل بالهموم عن عجزها امام ثمن الحفاظات الباهظ، الذي تقول انه بات يفوق طاقة البشر، وتتساءل كيف لها ان تختار بين علاج قلب والدهم وبين بامبرز يحمي الصغار، فالثمن باهظ واليد قصيرة، واحفادها يدفعون ضريبة الحرب من اجسادهم الغضة، وهذه الطفلة مصابة بالاسهال وتحتاج حفاضات صحية، ولا يوجد اي مقومات لشرائها، اذ يتعدى سعر الحفاضة الواحدة في غزة هذه الايام الـ10 شواكل.
اما انا الصحفية كاتبة هذا التقرير، فلم تكن هذه السطور مجرد مهمة صحفية عابرة، فخلف العدسة التي نقلت وجع دنيا وسهيلة وغيرهن، اقف في طابور القهر الطويل ذاته.
فاعود لبيتي بعد يوم مثقل بقصص المعاناة، لاواجه واقعا لا يقل قسوة، فطفلتي التي لم تتجاوز ثمانية اشهر، لا تعرف ان الحليب الصناعي الذي لا تشرب سواه بات عملة نادرة، وان الحفاضات التي تحمي جسدها الصغير اصبحت عبئا يرهق كاهل الصحفي والمواطن على حد سواء.
في غزة لا فرق بين من ينقل الخبر ومن يعيشه، فالامهات الصحفيات يكتبن عن الانيميا (فقر الدم) واطفالهن مهددون بالاصابة به نتيجة غياب الطعام الصحي ولا سيما البيض والحليب والمكملات الغذائية، ويبحثن في الاسواق المنهكة عن مرهم او علاج بديل لتسلخات جلودهم.
ويقول طبيب العائلة بجمعية حيدر عبد الشافي المجتمعية الدكتور غسان مطر ان هناك تدهورا مرعبا في الحالة الصحية لاطفال غزة، اذ قفزت نسب الاصابة بفقر الدم مثلا من 10% قبل الحرب الى نحو 70% في الوقت الحالي.
ويرجع مطر هذا الارتفاع الى سوء التغذية الحاد والوضع الاقتصادي المنهار الذي جعل العائلات عاجزة عن تامين ابسط المقومات الغذائية.
ولم تتوقف معاناة اطفال غزة عند حدود القتل الذي قضى على اكثر من 20 الفا منهم خلال الحرب، بل تمتد لتظهر على اجساد من تبقى منهم.
ويؤكد مطر ظهور امراض جلدية جديدة ومعقدة تنهش اجساد الصغار، نتيجة غياب النظافة الشخصية والارتفاع الجنوني في اسعار الحفاضات والمناديل المبللة ومستلزمات العناية بالطفل التي باتت تباع بالقطعة الواحدة وباسعار خيالية.
وقال ان الطفل في غزة محاصر بين امعاء خاوية تفتقر للحديد والفيتامينات وبين الامراض الجلدية بسبب غياب البدائل الصحية، مما ينذر بكارثة صحية طويلة الامد قد لا تبرأ منها اجساد هذا الجيل لسنوات قادمة.
ووفقا لمعطيات وزارة الصحة الفلسطينية، بلغ عدد المواليد الجدد في قطاع غزة في الفترة بين يناير وحتى نهاية مارس اكثر من 61 الفا.







