نزيف الهجرة يهدد الزبابدة.. لماذا يغادر المسيحيون شمال الضفة؟

تتزايد مخاوف سكان بلدة الزبابدة جنوب شرق جنين من تفريغ المنطقة من طابعها الديموغرافي التاريخي، حيث تسيطر حالة من القلق على العائلات التي بدأت في اتخاذ قرارات حاسمة بالرحيل نحو أوروبا بحثا عن الاستقرار والأمان المفقود. وكشفت هالة سمعان داود، رئيسة بلدية الزبابدة، أن وتيرة التخطيط للهجرة تسارعت بشكل غير مسبوق بين الأهالي، موضحة أن ما كان مجرد نقاشات عابرة تحول لدى الكثيرين إلى إجراءات فعلية للسفر، مما يعكس عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع المحلي.
وأضافت هالة أن ضبابية المستقبل هي المحرك الأساسي لهذه الظاهرة، مشيرة إلى أن استقرار الوضع الاقتصادي للبعض لم يعد حاجزا أمام الرغبة في المغادرة، خاصة مع تزايد الإعلانات التي تروج للهجرة وسهولة الوصول إليها عبر المنصات الرقمية. وبينت أن الشعور بانعدام الأمن وتكرار المداهمات والاقتحامات الإسرائيلية للمنازل والاعتداءات المستمرة أدى إلى خلق بيئة طاردة للسكان، جعلت الجميع يشعرون بأنهم مستهدفون في أي وقت.
وأكد مهندس البلدية وليام عبد الله أن فكرة الهجرة باتت حديث المجالس الشبابية في البلدة، حيث يرى أن الإنسان قد يتحمل التحديات الاقتصادية، لكنه يعجز عن التكيف مع غياب الأفق الأمني والخوف المستمر على الحياة. وأوضح أن اعتقال الاحتلال لعدد من الشبان والضباط زاد من حدة التوتر، مما دفع العديد من العائلات للبحث عن ملاذ آمن بعيدا عن ممارسات الاحتلال التي طالت حتى السلم الاجتماعي في المنطقة.
وأظهرت المعطيات الميدانية أن الزبابدة، التي تعد أكبر تجمع مسيحي في شمال الضفة الغربية بنسبة تصل إلى 67% من سكانها، تعاني من تبعات سياسات الاحتلال التي تضيق الخناق على السكان. وأوضحت رئيسة البلدية أن المستوطنين المسلحين باتوا يتجولون بحرية في البلدة، مما يمثل تحولا خطيرا في طبيعة التهديدات التي يواجهها المواطنون، خاصة بعد بناء مستوطنات مطلة على البلدة تزيد من استفزاز الأهالي وتوتر حياتهم اليومية.
وذكر الأب فراس خوري دياب، راعي الكنيسة الأرثوذكسية، أن إسرائيل لا تفرق في عدوانها بين مسيحي ومسلم، مشددا على أن هناك عشرات الطلبات لعائلات مسيحية تسعى للهجرة، مما يعد مؤشرا خطيرا على فقدان الأمل في التغيير. وبين أن الوجود المسيحي التاريخي في فلسطين يتعرض لمحاولات تفريغ ممنهجة، حيث يتم استغلال الظروف القاسية لدفع الشباب نحو خيار الهجرة كحل وحيد للنجاة، وهو ما يخدم في نهاية المطاف أجندات الاحتلال الرامية للسيطرة الكاملة على الأرض.
وكشفت الإحصاءات الرسمية أن أعداد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية شهدت تراجعا كبيرا منذ عام 1948، حيث انخفضت نسبتهم بشكل لافت لتصل إلى نحو 1% فقط من إجمالي السكان حاليا. وأوضح المراقبون أن استمرار هذه الظاهرة في الزبابدة ومناطق أخرى يهدد هوية المدن والقرى الفلسطينية، ويفرغها من مكوناتها الديموغرافية التي شكلت جزءا أصيلا من النسيج الوطني على مدار عقود طويلة.







