خلف القضبان وفي المنافي.. تضييق خانق يلاحق حرية الصحافة في تونس

يعيش الصحافيون في تونس اليوم واقعا مغايرا عما اعتادوا عليه في سنوات ما بعد الثورة، حيث تحولت غرف التحرير من فضاءات للنقاش الحر إلى بؤر للقلق والترقب في ظل تزايد الملاحقات القضائية التي طالت عددا من الإعلاميين. وتظهر المعطيات الميدانية أن العمل الصحفي الذي كان يوما ما مكسبا ديمقراطيا بارزا، بات اليوم محفوفا بالمخاطر، وسط وجود صحافيين خلف القضبان، وآخرين فضلوا الرحيل قسرا نحو المنفى لتجنب مصير الاعتقال.
واكد نقيب الصحافيين التونسيين زياد الدبار أن الوضع الراهن يعد غير مسبوق في تاريخ البلاد، مبينا أن نحو عشرين صحافيا يواجهون حاليا تهما قضائية بسبب تقاريرهم المهنية أو تدويناتهم على منصات التواصل الاجتماعي. واشار الدبار إلى أن السلطات تتبنى نهجا قانونيا مشددا، بينما ترى الحقوقيات أن هذه الإجراءات تأتي ضمن حملة أوسع لتقييد حرية التعبير، وهو ما انعكس سلبا على ترتيب تونس في المؤشرات الدولية لحرية الصحافة خلال السنوات الأخيرة.
وبين رئيس تحرير منصة نواة، أيمن الرزقي، أن العمل الصحفي في تونس تحول إلى ما يشبه حقل ألغام متحرك، حيث لم تعد الحدود الفاصلة بين المسموح والممنوع واضحة كما كانت في السابق. واضاف الرزقي أن الصحافيين يعانون من صعوبة الحصول على المعلومات الرسمية، فضلا عن تعرضهم لضغوط إدارية وتهديدات مستمرة من أطراف مجهولة أو مؤيدين للسلطة، مما يجعل الاستمرارية في أداء الرسالة الإعلامية تحديا يوميا كبيرا.
وكشفت التطورات الأخيرة عن اعتقال رئيس تحرير موقع الكتيبة، محمد اليوسفي، الذي يواجه تهما يصفها بأنها ملفقة، مؤكدا في رسالة من سجنه أن الاستقلالية ليست ترفا بل ضرورة لخدمة المجتمع. وتتزامن هذه الحادثة مع سلسلة من الأحكام القضائية التي طالت أسماء بارزة في المشهد الإعلامي، مما دفع العديد من الوجوه الصحفية إلى مغادرة البلاد طلبا للأمان، بعدما وجدوا أنفسهم عرضة لأحكام غيابية بالسجن.
واظهرت المتابعات أن التأثير لم يقتصر على الأفراد فحسب، بل امتد ليشمل طبيعة المحتوى الإعلامي الذي تراجع فيه سقف النقد السياسي بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية. واوضحت نقابة الصحافيين أن الإعلام الرسمي والخاص بات يشهد إقصاء متزايدا للأصوات المعارضة، مما أدى إلى انحسار مساحة النقاش العام وتحول بعض المنابر إلى أدوات للدعاية، وهو ما يراه المراقبون تراجعا عن مكاسب المرحلة الانتقالية.
وشددت عائلات الصحافيين الموقوفين، مثل زوجة الصحافي زياد الهاني، على أن الكلفة الإنسانية لهذه الملاحقات تتجاوز حدود السجن لتطال استقرار الأسر وتفاصيل حياتهم اليومية. واكدت أن العائلات تعيش ضغوطا نفسية كبيرة، لكنها تظل متمسكة بمبادئ حرية الكلمة التي دافع عنها ذووهم، معتبرة أن هذه المحنة هي اختبار لصمود الصحافة المستقلة في وجه التضييقات المتصاعدة.







