بطالة الشباب الخطر الذي يهدد المستقبل
بطالة الشباب الخطر الذي يهدد المستقبل
بقلم المحامي الدكتور هيثم عريفج
ليست كل الأخطار التي تواجه الدول عسكرية أو سياسية ظاهرة، فبعضها ينمو بصمت داخل المجتمع حتى يصبح أشد تأثيرًا من أي أزمة طارئة.
بطالة الشباب في الأردن اليوم هي هذا الخطر الصامت. فهي لا تعني فقط غياب الدخل، بل تعني اتساع دائرة القلق، وتراجع الثقة، وتآكل الشعور بالانتماء، وهي أمور تمسّ أساس الاستقرار الاجتماعي قبل أن تمسّ الاقتصاد.
إن الديمقراطية الاجتماعية، بوصفها فلسفة سياسية واقتصادية، تنطلق من فكرة واضحة مفادها أن الدولة والمجتمع مسؤولان عن ضمان الفرص العادلة خصوصا للشباب، وأن السوق لا يمكن أن يُترك وحده ليحدد مصائر هذه الفئة دون ضوابط تحقق العدالة الاجتماعية. فالعمل ليس مجرد وسيلة للرزق، بل هو شرط للكرامة الإنسانية، وركيزة للاستقرار الأسري، وضمانة حقيقية للأمن المجتمعي.
حين تتسع البطالة بين الشباب، فإن المجتمع لا يخسر قوة إنتاجية فحسب، بل يخسر طاقة الأمل نفسها. فالشباب الذين ينتظرون سنوات دون فرصة حقيقية يشعرون بأن الطريق مسدود، وأن الجهد والتعليم لا يقودان بالضرورة إلى مستقبل أفضل. ومع تكرار هذا الشعور، تبدأ أخطر النتائج بالظهور: الإحباط، والهجرة، والعزوف عن المشاركة الاقتصادية ، والانسحاب من الحياة العامة. ولهذا فإن البطالة ليست مجرد قضية اقتصادية، بل قضية سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى، وهي اليوم الخطر الأكبر الذي يواجه الوطن، فهي تضرب في عمق مستقبل المجتمع.
إن مواجهة هذا الخطر لم يعد خيارًا يمكن تأجيله أو الاكتفاء بإدارته، بل أصبح ضرورة ملحّة تفرض نفسها على صانع القرار وعلى المجتمع بأكمله. والحلول ليست غامضة أو مستحيلة، بل واضحة إذا توفرت الإرادة.
أول هذه الحلول هو إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو القطاعات التي تخلق فرص العمل فعليًا، مثل الصناعة الوطنية، والزراعة الحديثة، والسياحة، والطاقة المتجددة، والخدمات التقنية، بحيث يصبح معيار النجاح في أي مشروع أو سياسة هو عدد الوظائف التي يخلقها، لا حجم الأرباح فقط.
كما أن تطوير التعليم المهني والتقني لم يعد ترفًا أو خيارًا ثانويًا، بل ضرورة حقيقية، على أن يكون تطويرًا نوعيًا يربط التدريب مباشرة بسوق العمل، ويمنح خريجيه مكانة اجتماعية واقتصادية محترمة. وفي الوقت ذاته، فإن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة يجب أن يتحول من شعارات إلى إجراءات عملية، عبر تبسيط الترخيص، وتخفيض الكلف، وتسهيل الوصول إلى التمويل، لأن هذه المشاريع هي القادرة على خلق فرص العمل بشكل واسع وفي مختلف المحافظات.
ولا يمكن الحديث عن تشغيل حقيقي دون الحديث عن حماية العامل، لأن العمل الذي يفتقد إلى الأمان والاستقرار لا يبني اقتصادًا مستدامًا. إن العدالة الاجتماعية تقتضي أن يشعر العامل بأن جهده مصان، وأن له حقًا في الضمان الصحي والتقاعدي، وأن القانون يحميه كما يحمي صاحب العمل، فالتوازن بين الطرفين هو أساس الاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري تبني سياسة واضحة تمنح امتيازات حقيقية للشركات التي تساهم في تشغيل الأردنيين وتلتزم بحماية حقوقهم. ويمكن أن تشمل هذه الامتيازات قروضًا ميسّرة مدعومة من البنك المركزي وبفوائد مخفضة، وتقسيط التزامات الضمان الاجتماعي خلال السنوات الأولى من التشغيل، وإعفاءات ضريبية مرتبطة بعدد الوظائف المستدامة، وتخفيض بعض كلف الطاقة أو الرسوم للمشاريع كثيفة العمالة، إضافة إلى منح أولوية في العطاءات الحكومية للشركات التي تثبت التزامها بالتشغيل العادل وتوفير بيئة عمل لائقة. كما يمكن التفكير بامتيازات إضافية مثل دعم جزئي لأجور المتدربين في السنة الأولى، وتسهيل الحصول على الأراضي الصناعية أو الزراعية بشروط ميسرة للمشاريع التي تخلق فرص عمل حقيقية.
إن الدول لا تقاس فقط بمعدلات النمو أو بحجم المشاريع الكبرى، بل بقدرتها على حماية شبابها من التحديات، وعلى توفير فرصة العمل الكريم لكل من يسعى إليه. ومواجهة البطالة اليوم ليست مجرد برنامج اقتصادي، بل واجب وطني وأخلاقي، لأن المجتمع الذي يحمي كرامة شبابه يحمي مستقبله، والدولة التي تضع العدالة الاجتماعية في صلب سياساتها تبني استقرارًا يدوم، لا استقرارًا مؤقتًا.







