أوروبا تستعد لمواجهة رسوم ترمب: هل تكون البازوكا الحل؟

تتزايد التحديات التي تواجه المستشار الالماني فريدريش ميرتس مع تشكيل حكومته، حيث يواجه اقتصادا متعثرا وصعودا لليمين المتطرف، فضلا عن ضغوط امريكية تطال صناعة السيارات والوجود العسكري في المانيا، وهو ما عبر عنه ميرتس في مقابلة مع مجلة دير شبيغل قائلا: لم يضطر اي مستشار قبلي الى تحمل كل هذا.
ورغم ان هذه ليست اول ازمة كبرى تواجه مستشارا المانيا، فان خطورة اللحظة تكمن في تزامن الضغط الداخلي مع ابتزاز الرئيس الامريكي دونالد ترمب الجمركي والسياسي، لذلك تثير تصريحات ميرتس الاخيرة تساؤلات، اذ بدا كانه يبرر غضب واشنطن بدلا من قيادة موقف اوروبي اكثر صلابة.
ومع ان التحديات التي تواجه حكومة ميرتس كبيرة، ولكنها لا تقل اهمية عن تحديات واجهت 4 مستشارين قبله من المحافظ هيلموت كول الى الاشتراكيين الديمقراطيين غيرهارد شرودر واولاف شولتس مرورا بالمستشارة المعمرة انجيلا ميركل.
والواضح ان الرسوم الجمركية التي اعلنها ترمب ستضرب الاقتصاد الالماني قبل غيره وستصيب عصب صناعة السيارات الالمانية وتحديدا مجموعة فولكس فاغن التي تخرج منذ عقود من ازمة لتدخل في اخرى، ولكن الاتحاد الاوروبي ليس عاجزا ولديه ادوات يستطيع من خلالها الوقوف في وجه سياسة ترمب.
وتقدم مجلة دير شبيغل ذات التوجه اليساري الليبرالي حلولا عملية للرد، وتقول ان ادوات كثيرة يمتلكها الاتحاد الاوروبي للرد مثل تعليق الاتفاق او تفعيل اداة الاكراه الاقتصادي وثالثها فرض رسوم على شركات امريكية عملاقة من غوغل الى مايكروسوفت وماستر كارد وباي بال وغيرها من الشركات الامريكية التي تجني مليارات في اوروبا وليس اخرها فرض رسوم جمركية مضادة.
وفي بروكسل تطرح من جديد اقوى اداة مضادة وهي اداة مكافحة الاكراه الاقتصادي والمعروفة ايضا باسم بازوكا، فمن خلال هذه الاداة يمكن وقف تدفق المنتجات الامريكية الى السوق الاوروبية او حتى استبعاد شركات امريكية من المناقصات العامة او فرض رسوم على المنتجات الرقمية الامريكية، غير ان هذه الاداة تتطلب تحقيقا يتوقع ان يستمر ثلاثة اشهر وبالتالي لا يمكن تطبيقها فورا.
واقترح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون واطراف مؤثرة في البرلمان الاوروبي منذ فترة طويلة استخدام هذه الاداة، لكن هذا الاقتراح لم ينجح، لان المانيا رفضتها في البداية ومع ذلك، لا تزال دول ابرزها المانيا وايطاليا متحفظة على هذا التصعيد رغم تدهور العلاقات بين ترمب وكل من المستشار ميرتس ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
وهناك اداة اخرى وهي فرض رسوم على عمالقة التكنولوجيا المشار اليهم، وهذا الاجراء تاثيره كبير ولكنه يصطدم بمعارضة ايرلندا التي ترفض فرض ضريبة رقمية موحدة على مستوى الاتحاد الاوروبي، كما ان هذا الخيار لن يكون سريع التنفيذ وهذه الشركات قد تحاول تحميل المستهلكين جزءا من تبعاته.
ويمكن ايضا الرد بالمثل وفرض رسوم مضادة، وهناك بالفعل لائحة جاهزة عند الاتحاد الاوروبي تشمل بضائع بقيمة 93 مليار يورو واهم ما يميز هذا الاجراء انه قابل للتطبيق الفوري، لكن مخاطره كبيرة وقد يكون اخطرها رد انتقامي جديد من جانب ترمب.
وتقول الصحيفة الاقتصادية فيرتشافتس فوخه اسبوع الاقتصاد انه اذا لم يقتصر اعلان ترمب على التهديد وتحول الى قرار نافذ، فان القائمة السوداء التي اعدها الاتحاد الاوروبي كرد محتمل جاهزة.
وبحسب الصحيفة تتكون هذه اللائحة من 99 صفحة وتضم نحو 2000 سلعة امريكية منها الغسالات والثلاجات وكاسحات الثلوج والقوارب ومنتجات زراعية مثل لحوم الابقار والدواجن والالبان والسكر والخضراوات وحتى اللوز ومنتجات صناعية مثل المنسوجات والمنتجات الجلدية والاجهزة المنزلية والادوات البلاستيكية والخشبية.
وتنقل الصحيفة عن رئيس لجنة العلاقات التجارية في البرلمان الاوروبي بيرند لانغه قوله ان الامر لا يتعلق فقط بالانتقام، لان الالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية يفرض مبدا المعاملة بالمثل.
والى جانب القائمة السوداء، يقول المسؤول للصحيفة، توجد خطط اوروبية لفرض رسوم قد تشمل الهواتف الذكية والاجهزة التقنية الامريكية اضافة الى اتخاذ اجراءات مماثلة ضد شركات التكنولوجيا الكبرى مثل ابل او باي بال وغيرها.
وهذا التوجه ياتي مدعوما بتقرير جديد لمركز الدراسات السياسية الاوروبية الذي يرى ان فرض ضرائب على ايرادات شركات التكنولوجيا الامريكية في اوروبا قد يدر على الاتحاد الاوروبي نحو 37.5 مليار يورو سنويا.
وتحمل الصحيفة الجانب الامريكي مسؤولية ذلك بالقول انه حتى الان كانت رئيسة المفوضية الاوروبية فون دير لاين تتريث بخصوص الخلافات الجمركية وكان شعارها البحث عن حلول عبر الحوار بدلا من المخاطرة بحرب تجارية.
لكن صبر الاوروبيين تجاه السياسة التجارية المتقلبة لترمب والتي يتخللها في بعض الاحيان اهانات شخصية بدا ينفد، ففرنسا تدفع بالفعل نحو اعادة النظر في شروط الاتفاق التجاري باكمله ورئيس الوفد التفاوضي التجاري الاوروبي براندو بينيفي يطالب المفوضية من جديد باستخدام البازوكا التجارية في اشارة الى اداة مكافحة الاكراه الاقتصادي.
ولان الاسواق لا تنتظر دق اكبر معهد اقتصادي الماني ايفو ناقوس الخطر وحذر من التداعيات السلبية للرسوم الجمركية الجديدة على نمو الاقتصاد الالماني الذي نجا في الاعوام الماضية من الركود واكتفى بالدخول في مرحلة الركود التقني، وقال رئيس المعهد كلمنس فويست في مقابلة مع صحيفة بيلد ان تطور الامر الى حرب تجارية جديدة سيعني ان المانيا مهددة بدخول ركود اقتصادي في العام الحالي.
ووفق فويست، فان رفع الرسوم الجمركية من 15 الى 25 % ستضرب قبل كل شيء قطاع صناعة السيارات الالماني في وقت يعاني فيه هذا القطاع الحيوي اصلا من وضع صعب.
ونقلت الصحيفة عن خبراء في صناعة السيارات قولهم ان رفع الرسوم الى 25 % يعني فعليا بداية حرب تجارية ضد المانيا التي لا تصدر دولة اوروبية اخرى سيارات والات اكثر منها الى الاسواق الامريكية.
وسواء اعجب تشبيه دير شبيغل فهم المستشار الالماني للسياسة بمشاهدة مسلسل في نتفليكس ام لا، يدرك ميرتس وشركاؤه الاشتراكيون الديمقراطيون في الائتلاف الحاكم ان المستهدف الابرز من السياسة الجمركية الامريكية هي بالدرجة الاولى المانيا قبل غيرها.







