ازدواجية القيم: كيف تكشف السياسات الإسرائيلية عن انتقائية محاسبة الجرائم

بين أزقة الموت في غزة وركام الكنائس في لبنان، تتجلى ملامح ازدواجية لا يمكن تجاهلها. إذ أقدمت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على ترميم صورتها الأخلاقية بعد اعتداء غير مبرر من جندي على تمثال ديني، بينما تواصل عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين بلا هوادة. هذه المفارقة تثير تساؤلات حول القيم التي ينادي بها جيش الاحتلال، وكيف تتحول الجرائم الجسيمة إلى مجرد أخطاء عند وقوعها بحق الفلسطينيين.
وأضاف محللون أن هذه الازدواجية ليست من اختراعنا، بل هي اعترافات مدوية صدرت من داخل المجتمع الإسرائيلي. حيث تكشف تلك الاعترافات عن سياسة الصمت التي تعتمدها تل أبيب تجاه انتهاكات حقوق الإنسان. ويعكس هذا التباين الحاد تساؤلاً عميقاً حول المعايير المزدوجة في محاسبة الجرائم، مما يضع القيم المعلنة للجيش الإسرائيلي موضع الشك.
وشددت صحيفة هآرتس على أن الانتقائية في المحاسبة باتت ظاهرة واضحة، حيث قُتل أربعة أفراد من عائلة فلسطينية في الضفة الغربية، في حين لم تُتخذ أي إجراءات ضد الضباط المتورطين. كما أن تعامل القوات الإسرائيلية مع الصحفيين الأمريكيين يختلف تماماً عن تعاملها مع الفلسطينيين، مما يظهر استجابة انتقائية لمشاعر التعاطف الدولي.
وبينت الصحيفة أن السياسة الإسرائيلية تعتمد على ردود الفعل الدولية في محاسبة الجنود، حيث لا يتم تناول الجرائم بحق الفلسطينيين بجدية. وفي الوقت نفسه، تشهد الضفة الغربية اعتداءات يومية من المستوطنين، إذ يرافقهم غالباً رجال مسلحون، مما يعكس دعماً حكومياً واضحاً لتلك الانتهاكات.
وأشارت التقارير إلى أن العمليات العسكرية في الضفة الغربية ليست مجرد تصرفات فردية، بل هي نتيجة لقرارات حكومية تدعمها مؤسسات عسكرية كبرى. وفي هذا السياق، قُتل 13 فلسطينياً على يد المستوطنين، في حين لا تُتخذ أي إجراءات ضدهم، مما يعكس غياب العدالة.
كما كشفت الصحيفة عن مجازر منظمة يقوم بها مستوطنون ضد الفلسطينيين، حيث يستخدمون أدوات حادة في هجمات خاطفة، ويديرون ظهورهم للسلطات التي لا تتدخل. وبالرغم من الإدانات الرسمية، تواصل الاعتداءات بلا توقف، مما يعني أن الحكومة لا تضع حداً لهذه الظواهر.
في المقابل، أظهرت الأحداث الأخيرة كيف أن فظائع الحرب أصبحت أمراً عادياً، إذ يقوم الجنود الإسرائيليون بعرض اعتداءاتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يعكس انعدام الإنسانية في تلك العمليات. وقد تم توثيق حالات اعتداءات جسيمة خلال الاقتحامات، ولا يتم اتخاذ أي إجراءات بحق المعتدين.
وفي سياق متصل، أعرب بنيامين نتنياهو عن استيائه من تحطيم تمثال ديني، وهو ما يعكس اهتمامه بالمقدسات المسيحية بشكل يتناقض مع الصمت الذي يبديه تجاه انتهاكات الجيش. فقد سارع إلى إدانة الحادثة، مدركاً خطورة تأثيرها على العلاقات مع الفاتيكان.
وتعكس هذه الإدانة إدراك السلطات الإسرائيلية لخطورة المساس بالمقدسات، في حين لا تتخذ أي إجراءات جدية تجاه الانتهاكات الأخرى. وقد وصف أحد الأساقفة حادثة الاعتداء بأنها إهانة خطيرة، مما يعكس استياء المجتمع الدولي من تلك السياسات.
وفي قراءة شاملة، يُظهر الموقف الرسمي الإسرائيلي قلقاً من فقدان دعم اليمين المسيحي، في دلالة واضحة على مدى تأثير الرموز الدينية على السياسات الدولية. وهذا ما يطرح سؤالاً حول كيفية تعامل الحكومات مع القيم الإنسانية مقابل المصالح السياسية.







