مفارقات الأسعار في طهران تحت وطأة الحرب والهدنة

طهران – تعكس الأسواق الإيرانية واقعا اقتصاديا معقدا، حيث يواجه المواطنون في طهران تناقضات صارخة في أسعار السلع. بينما تظل أسعار الوقود والخبز والألبان ثابتة رغم القصف والحصار المفروض على مضيق هرمز، تشهد أسعار بعض السلع الأساسية قفزات كبيرة في الأسابيع الأخيرة.
مع بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، ارتفعت أسعار العديد من السلع في دول أخرى نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد. وقد أكدت مهراوه (31 عاما) أن الأسعار المدعومة في إيران صمدت، مشيرة إلى أن الحكومة تسعى لاحتواء الغضب الاجتماعي وتأمين الحد الأدنى من المعيشة.
على الرغم من التحديات، أوضحت مهراوه أن التغيرات في الأسعار تسلط الضوء على واقع الاقتصاد الإيراني الذي يعاني من صدمتين متعارضتين: الحرب والحصار من جهة، والدعم الحكومي للسلع الأساسية من جهة أخرى. وعزت ذلك إلى محاولة الدولة لاحتواء الغضب الشعبي ومنع الاحتجاجات المحتملة.
في جولة ميدانية لأسواق طهران، اتفق المتسوقون والباعة على وجود ازدواجية في الأسعار. حيث أشار الخباز شاطر مهدي (53 عاما) إلى أن أسعار الخبز لم تتغير منذ أكثر من ستة أشهر، مشيرا إلى أن المخابز لا تزال تحصل على الدقيق المدعوم بالسعر الرسمي.
وأكد محمود، صاحب محل للألبان، أن الناس لا يزالون يشترون الحليب والزبادي كما في السابق، رغم أن بعض الشركات رفعت الأسعار بنسبة 5 إلى 10% منذ بداية السنة الفارسية. ومع ذلك، لم ترفع غالبية شركات الألبان أسعارها، حيث تفضل الحفاظ على حصتها السوقية في ظل ضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.
بينما تظهر جولة الجزيرة نت في الأسواق ثباتا نسبيا في أسعار بعض السلع مثل المعكرونة والأرز، فإن سلع أخرى مثل الزيوت واللحوم شهدت ارتفاعا ملحوظا، حيث ارتفعت أسعارها بنسب تتراوح من 10% إلى أكثر من 40%. ورغم الزيادات الرسمية، أفاد بعض الزبائن بأن بعض المحلات التجارية تبيع بعض السلع بأسعار مرتفعة، خاصة بعد انتهاء تهديد الرئيس الأمريكي باستهداف محطات الطاقة.
في ظل الحصار المفروض، يعاني جزء كبير من الاقتصاد الوطني من حالة من الاضطراب، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الواردات. وأوضح بارسا (26 عاما) بائع في متجر شمالي العاصمة، أن أسعار السلع المستوردة ارتفعت بنسبة تتراوح بين 50% و100% بسبب الخوف من نفادها. وأشار إلى أن الطرق البديلة لا تعني استمرار تدفق السلع بنفس الكلفة، حيث سترتفع الأسعار بشكل كبير نتيجة زيادة رسوم التأمين وأجور الشحن.
بينما تشهد أسواق الكماليات ركودا ملحوظا، تظهر الحركة الشرائية في سوق بدر الشعبي، حيث تسارع الناس لشراء مستلزماتهم بعد انتهاء الحرب. وأفادت سوسن (68 عاما) بأنها لم تتمكن من شراء حاجيات عيد النوروز بسبب الحرب، وأن الكثير من السكان اضطروا لمغادرة المدينة.
عند زيارة متجر الحاج غوهري، أشار إلى أن استقرار الأسعار ليس نتيجة للصدفة، بل بسبب استعداد السلطات لهذا السيناريو عبر تخزين السلع الأساسية. واعتبر أن الدعم الحكومي لبعض السلع كان حاسما في منع انفلات الأسعار.
وفي حديثه، أوضح التاجر المخضرم أن الوضع الحالي يعكس سياسة دعم حكومي مزدوج، حيث لم تتأثر أسعار السلع المدعومة، بينما ارتفعت أسعار السلع الأخرى. وذكر أن الحكومة تدخلت بسرعة للسيطرة على الأسعار من خلال مشروع كالا برك، الذي يقدم مساعدات مالية للمواطنين لشراء السلع الأساسية.
بينما يطرح العديد من المتحدثين مخاوفهم حول مستقبل الاقتصاد الإيراني، أشار مسؤول سابق في وزارة الصناعة إلى أن الدعم الحكومي قد يؤدي إلى كارثة على المدى الطويل، حيث ستؤدي طباعة النقود لتغطية هذا الدعم إلى تآكل قيمة الريال وارتفاع التضخم.
في النهاية، يبقى سؤال استقرار الأسعار معلقا في الأفق، حيث تشير التوقعات إلى أن الحرب قد تترك آثارا سلبية على الاقتصاد الإيراني، مما قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم إذا لم تشهد الأوضاع الإقليمية استقرارا.







