حلم طال انتظاره: أكراد سوريا يسعون للحصول على الجنسية بعد عقود من الحرمان

في مشهد يعكس أملا جديدا، يتوافد عشرات الأكراد في مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا إلى أحد المراكز الحكومية، حاملين أوراقهم الثبوتية وصورهم الشخصية، منتظرين دورهم لتقديم طلبات الحصول على الجنسية السورية، هذا الحق الذي حرموا منه لعقود طويلة.
وقال فراس أحمد، وهو أحد المتقدمين للحصول على الجنسية، إن "الإنسان بلا جنسية يعتبر من الموتى"، وأضاف "تخيلوا أنني لا أستطيع أن أسجل أولادي أو البيوت بأسمائنا"، مبينا أن جده لم يكن يملك الجنسية، وأنهم عاشوا حتى الآن من دون وثائق رسمية.
وتظهر صور من داخل مركز التسجيل استمارات ممهورة بشعار الدولة السورية، ووثائق قديمة، وصور شخصية متناثرة على الطاولات، بينما ينهمك الموظفون الحكوميون في تسجيل البيانات، قبل أن تظهر عبارة "تمت بنجاح" على إحدى الشاشات.
ومنذ الأسبوع الماضي، يتوافد سوريون أكراد ممن لا يملكون أوراقا ثبوتية رسمية إلى مراكز مخصصة للتسجيل في مدن عدة بشمال شرقي سوريا، بينها القامشلي والحسكة والمالكية، إضافة إلى محافظات أخرى مثل حلب ودير الزور والرقة ودمشق.
ويأتي ذلك تنفيذا لمرسوم أصدره الرئيس السوري في يناير، ونص على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، بعد عقود من حرمان عشرات الآلاف منهم من هذا الحق.
واقر المرسوم حقوقا ثقافية ولغوية للأكراد، بينها اعتبار لغتهم "لغة وطنية".
وقالت غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، إنهم عانوا كثيرا من الصعوبات بسبب عدم امتلاكهم الجنسية، وأضافت أن أولادها الخمسة لم يتمكنوا من استكمال دراستهم، ولم يكن بمقدورهم السفر نهائيا، مشيرة إلى أن منزلهم حتى الآن ليس مسجلا باسمهم.
وانعكس الحرمان من الجنسية على تفاصيل الحياة اليومية، من تعذر تسجيل الولادات وتثبيت الملكيات، إلى صعوبات الدراسة والتنقل والعمل والسفر، ما أبقى كثيرين على هامش الدولة من دون اعتراف قانوني كامل بوجودهم.
ويعود حرمان الأكراد من الجنسية إلى تدابير استثنائية نجمت عن إحصاء مثير للجدل أجري عام 1962 في محافظة الحسكة، وتم بموجبه سحب الجنسية من نحو عشرين في المائة من المكون الكردي حينها.
واثر ذلك، عانى الأكراد، الذين يشكلون نحو مليونين من أصل 20 مليون سوري، من التهميش من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، فحرموا طيلة عقود من تعليم لغتهم والاحتفال بأعيادهم وممارسة تقاليدهم.
وبحسب تقديرات شبكة ضحايا انعدام الجنسية الكردية المحلية في الحسكة، يبلغ عدد مكتومي القيد في سوريا حاليا نحو 150 ألف شخص، وفق ما أوضح عضو الشبكة علي موسى.
وطالب موسى السلطات بإبداء "مرونة في تطبيق القرار وتقديم تسهيلات للمقيمين خارج سوريا"، والذين لم يشملهم مرسوم الرئيس، مع توفير بدائل، لا سيما أن كثيرا منهم يعانون "صعوبة السفر إلى سوريا بسبب القيود المتعلقة بكونهم طالبي لجوء في بلدان أوروبية أو تخوفهم على إقامتهم في ظل ظروف الحرب الإيرانية التي أغلقت معظم المطارات بسببها".
ومن المقرر أن تبقي السلطات السورية مراكز التسجيل مفتوحة لمدة شهر.
وأوضح مسؤول شؤون الأحوال المدنية في الحكومة السورية عبد الله العبد الله، أن "المدة المفترضة للتسجيل هي شهر واحد قابل للتمديد"، وأضاف أن "أهم تعويض لهؤلاء الناس هو اكتساب الجنسية بعد حرمان استمر سنوات".
وداخل مركز التسجيل، روى محمد أيو، وهو أحد المتقدمين للحصول على الجنسية، كيف لازمه الإحساس بالعجز باعتباره "مكتوم القيد"، وشرح أنه درس سنوات طويلة، وفي النهاية قيل له لا شهادة لك، مشيرا إلى أنه لم يتمكن بعد إنهاء المرحلة الثانوية من الحصول على وثيقة تتيح له متابعة دراسته الجامعية.
وأضاف أيو، الذي يعمل في التجارة العامة، أن الحرمان طال أيضا حقوقا مدنية أساسية، إذ "لم يكن لدينا الحق في الترشح أو الانتخاب"، موضحا كيف تعذر عليه الحصول على شهادة لقيادة السيارة وحتى الإقامة في فندق في دمشق، كون ذلك تطلب الحصول على "ورقة أمنية" مسبقة.







