تحولات جذرية في سوق النفط العالمي: نظرة على تأثيرات الصراعات الجيوسياسية

لم تعد التوترات الجيوسياسية تؤثر فقط على أسعار النفط، بل طالت طريقة تحديد الأسعار نفسها، فالسوق التي كانت تعتمد على مؤشرات مرجعية مثل برنت، أصبحت تخضع لمعادلة معقدة تأخذ في الاعتبار مكان وجود النفط المتاح، وسرعة الوصول إليه، وتكلفة نقله وتأمينه.
هذا التحول يشير إلى أن سعر النفط لم يعد مرتبطا بالأرقام في الأسواق والعقود، بل بالقدرة الفعلية على توصيل النفط بسرعة، فالمشكلة لم تعد في الكميات المتوفرة، بل في القدرة على نقلها وإيصالها للمشترين في الوقت المناسب.
واهم ما غيرته التوترات الجيوسياسية هو موقع منطقة الخليج في السوق العالمية، ليس فقط من حيث حجم الإنتاج، فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، تراجعت الإمدادات الفعلية المرتبطة بالخليج بنحو 8 إلى 10 ملايين برميل يوميا، بسبب تعطل التصدير أكثر من تعطل الإنتاج.
لكن الاثر الأعمق ظهر في وزن هذه البراميل داخل التسعير، إذ لم تعد خامات الخليج تمثل المصدر الأكثر موثوقية للتوازن العالمي، حتى مع بقائها متوفرة نظريا، وفي هذا السياق، قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول في مقابلة مع وكالة رويترز إن خسارة الإمدادات العالمية تجاوزت 12 مليون برميل يوميا، محذرا من أن التعافي لن يكون سريعا، لأن إعادة تشغيل التدفقات تعتمد على الشحن والتأمين بقدر اعتمادها على الإنتاج.
وهذا يعني أن السوق لم تعد ترى النفط الخليجي مرجعية مستقرة، بل ترى فيه إمدادا عالي المخاطر، وهو ما أعاد توزيع مركز الثقل بعيدا عنه.
وفي المقابل، أعادت التوترات تعريف موقع النفط الأمريكي داخل السوق، فوفق بيانات كبلر، ارتفعت الشحنات الأمريكية إلى أوروبا وآسيا بشكل حاد، وارتفعت الصادرات إلى أوروبا بنحو 25% إلى 30% وتضاعفت التدفقات إلى آسيا أكثر من الضعف.
وهذا التحول انعكس مباشرة في الأسعار، ففي جلسات تداول أوائل أبريل، تفوق خام غرب تكساس على برنت، وهو أمر نادر تاريخيا، إذ أغلق عند نحو 111 دولارا مقابل 109 دولارات لبرنت.
لكن الأهم هو ما حدث في السوق الحقيقية، حيث تم بيع شحنات النفط الأمريكي (غرب تكساس) بسعر أعلى من نفط برنت بحوالي 15 دولارا في أوروبا، وبأسعار أعلى من ذلك في آسيا، وهذا يعني أن المشترين كانوا مستعدين لدفع مبلغ إضافي للحصول على هذا النفط.
وتقول باولا رودريغيز ماسيو من شركة ريستاد إنرجي إن هذا الطلب لا يعكس ربحية، بل أولوية الوصول، في إشارة إلى أن المشترين باتوا يدفعون علاوة على الأمان اللوجستي، وليس فقط على جودة الخام، بمعنى آخر، لم يرتفع النفط الأمريكي لأنه الأرخص، بل لأنه الأكثر قابلية للوصول.
وفي مفارقة لافتة، ارتفعت أسعار خامات الخليج نفسها إلى مستويات قياسية، رغم أنها أصبحت أكثر صعوبة في النقل، فوفق بيانات رويترز، قفز خام دبي إلى نحو 157 دولارا للبرميل، وخام عُمان إلى أكثر من 152 دولارا، مع تسجيل بعض التقديرات مستويات اقتربت من 170 دولارا.
كما رفعت شركة أرامكو السعودية سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف إلى آسيا بعلاوة قياسية بلغت 19.5 دولارا للبرميل فوق المؤشرات الإقليمية، بحسب بلومبيرغ.
وهذا الارتفاع لا يعكس قوة الطلب التقليدي، بل علاوة المخاطر، أي أن السعر بات يتضمن تكلفة عدم اليقين المرتبطة بالنقل والتأمين، وهنا يظهر التحول، إذ لم يعد النفط يسعر فقط وفق العرض والطلب، بل وفق احتمال الوصول.
ومع تراجع موثوقية الخليج، أعادت السوق تنشيط مصادر بديلة، وتشير تقارير من رويترز إلى أن المصافي الآسيوية والأوروبية تحولت بسرعة إلى خامات غرب أفريقيا والأطلسي، مما أدى إلى ارتفاع علاواتها بشكل ملحوظ.
فقد سجلت بعض الخامات الأفريقية، مثل الخام الأنغولي، علاوات قاربت 10 دولارات فوق خام برنت الفوري، بينما ارتفعت خامات أمريكا اللاتينية إلى ما بين 12 و15 دولارا فوق المؤشرات القياسية.
وهذه الأرقام تعكس أن السوق لم تكن تبحث عن النفط الأرخص، بل عن النفط المتاح، وهنا عادت دول مثل الجزائر ونيجيريا إلى دائرة الضوء، ليس بسبب زيادة إنتاجها، بل لأن موقعها الجغرافي بحد ذاته أصبح ميزة تسعيرية.
وأحد أكثر مظاهر الأزمة تعبيرا كان تراكم النفط في البحر، فوفق بيانات كبلر، تراوح حجم النفط العالق في الخليج بين 136 و172 مليون برميل، موزعة على مئات الناقلات التي لم تتمكن من التفريغ أو المغادرة.
ويقول فيكاس دويفيدي من شركة ماكواري إن هذه الكميات ليست جزءا من المعروض الفعلي، لأنها غير قابلة للوصول في الوقت المناسب، مشيرا إلى أن تفريغها قد يستغرق أسابيع بسبب قيود التأمين والعقوبات.
وهذا التطور يكشف مفارقة جوهرية تتمثل في أن السوق قد تعاني من نقص في الإمدادات، رغم وجود النفط فعليا لأنه ببساطة في المكان الخطأ أو في الزمن الخطأ.
والتحول الأوضح ظهر في السوق الفورية، فوفق بلومبيرغ، لم تعد أسعار العقود الآجلة تعكس التكلفة الحقيقية للنفط، مع اتساع الفجوة بينها وبين الأسعار الفعلية.
وتشير بيانات رويترز إلى أن خامات فورية مثل فورتيز وخام برنت الفوري وصلت إلى ما بين 144 و146 دولارا، مع صفقات تجاوزت 150 دولارا، بينما بقيت العقود الآجلة أقل بكثير، كما ظل الفارق بين السعر الفوري والعقود المستقبلية عند نحو 25 و30 دولارا، وهو مستوى يعكس علاوة التسليم الآن.
وتوضح شركة إنرجي أسبكتس أن هذه الفجوة تعكس شحا فعليا في البراميل القابلة للتسليم، وليس مجرد مضاربة في السوق، وبذلك، أصبح الزمن نفسه عنصرا مسعرا، فالنفط الذي يمكن تسليمه اليوم يساوي أكثر بكثير من النفط الذي يمكن تسليمه بعد شهر.







