تصدير النفط العراقي يواجه تحديات رغم الاستثناء الإيراني

تتزايد التوقعات المقلقة من الخبراء في قطاعي النفط والاقتصاد حول قدرة العراق على استئناف تصدير نفطه عبر الخليج العربي ومضيق هرمز، وذلك على الرغم من إعلان إيران عن منح العراق "استثناء" لعبور نفطه باعتباره "دولة صديقة".
وتكبد العراق خسائر فادحة جراء التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، حيث فقد ما يقرب من ثلاثة أرباع صادراته النفطية التي كانت تعتمد بشكل أساسي على موانئ البصرة الجنوبية، وكان معدل الإنتاج النفطي يصل إلى حوالي 3.5 مليون برميل يومياً، بينما لا يتجاوز حجم التصدير الحالي مليون برميل يومياً، يذهب معظمه للاستهلاك المحلي، ويتم تصدير أكثر من 300 ألف برميل يومياً عبر إقليم كردستان إلى ميناء جيهان التركي، إضافة إلى كميات صغيرة أخرى تنقل براً بواسطة الصهاريج إلى الأردن وسوريا.
ونتيجة لخسارة العراق معظم صادراته، يتوقع أن يبلغ العجز المالي الشهري حوالي 5-6 مليارات دولار، ما يضع الحكومة أمام صعوبات مالية معقدة للغاية، حسب تقديرات خبراء الاقتصاد.
وفي المقابل، ورغم التفاؤل الذي يروج له حلفاء إيران والمتعاطفون معها عقب قرارها، يستند المتشائمون والمشككون في قدرة العراق على استئناف التصدير إلى أسباب فنية وتقنية وأمنية متعددة، ويرون أن العائق الحقيقي أمام تصدير النفط العراقي ليس مجرد قرار إداري أو تسويقي، بل هو معادلة معقدة تتداخل فيها عوامل الأمن والتأمين، وسلوك شركات الشحن العالمية، وطبيعة العقود.
وحتى مع الاستثناء الإيراني، تعرضت أربعة مواقع نفطية في البصرة خلال اليومين الأخيرين لهجمات بطائرات مسيرة، يعتقد أن الفصائل المسلحة التابعة لإيران قامت بشنها في محاولة لإرغام الشركات الأجنبية على مغادرة العراق، ما يثير تساؤلات حول "السماح الإيراني" وما تقوم به هذه الجماعات في الداخل العراقي.
ويرى المتحدث السابق باسم وزارة النفط، عاصم جهاد، أن مسألة تصدير النفط العراقي تعتمد على "الحقائق الأساسية" التي تحكم آلية التصدير، وبناء على ذلك، لا يتوقع عودة سريعة للعراق إلى مسار التصدير.
ومن بين الحقائق التي ذكرها جهاد، أن العراق لا يعتمد في الأساس على امتلاك ناقلات نفط عملاقة لنقل النفط الخام، إذ إن شركة تسويق النفط العراقية (سومو) تبرم عقود بيع مع شركات عالمية، وفق آلية التحميل من المنفذ، حيث تتولى الشركات المتعاقدة مع (سومو) مسؤولية توفير الناقلات وشحن النفط من الموانئ العراقية إلى وجهاته النهائية.
وتكمن المشكلة الثانية في أن شركات الشحن العالمية ومالكي الناقلات يعزفون عن الدخول إلى منطقة تصنف حالياً عالية المخاطر، فحتى مع وجود مشترين للنفط العراقي، تبقى معضلة توفير ناقلات مستعدة للرسو في الموانئ الجنوبية أو الاقتراب من منطقة العمليات قائمة.
ويشير جهاد إلى أن الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين على الناقلات يمثل عاملاً حاسماً، إذ تفرض شركات التأمين أقساطاً مرتفعة جداً على السفن التي تعبر مناطق النزاع أو التوتر العسكري، ما يدفع عدداً من الشركات إلى التردد أو الانسحاب من هذه العمليات.
وحتى مع توفر تصريحات بالسماح بالمرور، فإن ذلك لا يعني بالضرورة توفر بيئة آمنة ومضمونة للشحن، فشركات النقل والتأمين تعتمد على تقييم المخاطر الفعلية، وليس فقط على المواقف السياسية المعلنة.
ويعتقد جهاد أن عودة استئناف التصدير مرهونة بعودة الثقة إلى سوق الشحن البحرية، وانخفاض مستوى المخاطر، وتراجع تكلفة التأمين، وليس مجرد إعلان السماح بالعبور.
بدوره، يستعرض الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي مجموعة عوامل من شأنها حرمان العراق من الاستفادة من القرار الإيراني بعبور نفطه عبر مضيق هرمز.
ويرى الهاشمي أن إنتاج النفط العراقي وشركات الخدمة ومنصات التحميل الجنوبية تخضع حالياً لبند "القوة القاهرة"، وهذا قد يتطلب بعض الوقت للعودة إلى إلغائه، ذلك أن إلغاء حالة الظروف القاهرة ليس إجراءً سريعاً، فمن يضمن أن تستمر صادرات النفط العراقي بعد رفع هذا البند دون استهداف، وهناك مجازفة حقيقية في الموضوع.
ويشير الهاشمي إلى سبب آخر يتمثل في أن حقول النفط العراقي لا تزال تتعرض لهجمات، وشركات الخدمة أجلت وسفرت كثيراً من طواقمها في الحقول، ولن يعود العمل لسابق عهده ما دامت الحرب مشتعلة.
واضاف الهاشمي أن السماح الإيراني هو لصادرات النفط العراقي، أي للسفن التي قامت بالتحميل من العراق وتتجه للخروج من المضيق، لكن كيف ستدخل السفن الفارغة عبر المضيق للوصول للعراق وهي لا تحمل نفطاً عراقياً، ومن سيضمن سلامتها؟
ويعتقد الهاشمي أن عقبات كثيرة تواجه استئناف تصدير النفط العراقي، ويجب أن تبادر الحكومة العراقية للتفكير في معالجتها وترجمة الموافقة الإيرانية لفرصة يمكن الاستفادة، هذا إن كانت الموافقة الإيرانية حقيقية والنوايا سليمة.
وتواجه الحكومة العراقية ووزارة النفط انتقادات واسعة لعدم اتخاذها إجراءات احترازية لديمومة إنتاج نفطها، وهو المصدر الوحيد للدخل القومي في العراق، سواء عبر توسيع منافذ التصدير، أو عبر الاحتفاظ بخزين بناقلات النفط، على غرار ما تقوم به معظم الدول المنتجة للنفط.
وحسب أستاذ الاقتصاد في جامعة المعقل بمحافظة البصرة، نبيل المرسومي، فإن شركة ناقلات النفط العراقية التي تأسست عام 1972، لا تمتلك حالياً سوى 6 ناقلات لمنتجات نفطية، بطاقة استيعابية مقدارها 117 ألف طن، والعمر التشغيلي لـ4 من هذه الناقلات أكثر من 15 عاماً، ما يعني كبر سنها وزيادة موعد صيانتها كل سنتين ونصف السنة بدلاً عن 5 سنوات.
وذكر المرسومي أن الشركة حالياً لا تمتلك أي ناقلة متخصصة لنقل النفط الخام، في حين أنها كانت تمتلك 25 ناقلة بطاقة 1.485 مليون طن عام 1983.
إلى ذلك، أعرب وزير الخارجية، فؤاد حسين، عن شكره لإيران للسماح بمرور ناقلات النفط عبر هرمز، وذكر بيان لوزارة الخارجية أن نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، فؤاد حسين، استقبل السفير الإيراني لدى العراق، محمد كاظم آل صادق، معرباً عن شكره للسماح بمرور ناقلات تحمل النفط العراقي عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى أهمية استمرار هذا التعاون في المستقبل القريب.
وتابع البيان أنه جرى خلال اللقاء بحث آليات التعاون المشترك بين الجانبين لضمان تنفيذ هذا الالتزام بما يخدم المصالح المتبادلة، كما تناول اللقاء أيضاً الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها.
واكد حسين على سياسة العراق الثابتة القائمة على نبذ الحرب وضرورة إنهائها، مشدداً على أهمية حل النزاعات عبر الحوار والمفاوضات السلمية.
وترافق ذلك مع إظهار بيانات صادرة عن مجموعة بورصات لندن وشركة كبلر بأن ناقلة نفط محملة بالخام العراقي شوهدت وهي تمر عبر مضيق هرمز بالقرب من ساحل إيران، وذكرت كبلر أن السفينة أوشن ثاندر جرى تحميلها بنحو مليون برميل من خام البصرة الثقيل في الثاني من مارس، ومن المتوقع أن تفرغ حمولتها في ماليزيا منتصف أبريل.







