تهديدات الملاحة العالمية: باب المندب وهرمز يهددان الاقتصاد العالمي

يتصاعد القلق حيال المخاطر المرتبطة باغلاق باب المندب، اذ يتجاوز الامر مجرد تهديد بحري محدود، ليتحول الى صدمة محتملة ذات اثر مضاعف على اسواق الطاقة والتجارة العالمية، وياتي هذا في ظل تزايد المخاوف من انخراط الحوثيين في الصراع الدائر بالشرق الاوسط، مما قد يؤدي الى اغلاق المضيق الذي يفصل بين خليج عدن والبحر الاحمر، ويتزامن هذا مع الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز.
فباب المندب ليس مجرد ممر مائي ثانوي يقع جنوب البحر الاحمر، بل هو بمثابة حلقة وصل حيوية تربط حركة النفط والمنتجات البترولية، فضلا عن التجارة بين قارتي اسيا واوروبا عبر قناة السويس، بينما يظل مضيق هرمز بمثابة الشريان الرئيسي لصادرات النفط الخام والغاز المسال من منطقة الخليج.
وعندما يتعرض كلا الممرين لضغوطات في الوقت نفسه، فان المشكلة تتجاوز مجرد تعطل امدادات النفط، لتمتد الى ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة اقساط التامين، وتاخر مواعيد التسليم، فضلا عن ارتفاع اسعار المواد الغذائية والسلع الصناعية، وحتى التاثير على توقعات النمو ومعدلات التضخم على مستوى العالم.
وتظهر بيانات صادرة عن ادارة معلومات الطاقة الامريكية ان ما يقرب من 4.2 ملايين برميل يوميا من النفط والمنتجات البترولية كانت تعبر باب المندب في النصف الاول من 2025، وذلك مقابل 4.9 ملايين برميل يوميا عبر قناة السويس وخط سوميد، علما بان كلا الرقمين يعادل تقريبا نصف المستويات المسجلة في 2023، مما يشير الى ان هذا المسار كان قد بدا بالفعل في التراجع بشكل حاد قبل ظهور التهديدات الجديدة.
كما تشير البيانات ذاتها الى ان تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر باب المندب كانت شبه معدومة في 2024 والنصف الاول من 2025 بسبب المخاطر الامنية وارتفاع تكاليف التامين، مما يعني ان هذا المضيق لم يعد معبرا للغاز، الا انه لا يزال يحمل اهمية بالغة بالنسبة لنقل النفط والمنتجات البترولية، فضلا عن دوره في الربط التجاري البحري على نطاق واسع.
وتنبع الاهمية الاقتصادية لباب المندب من موقعه الاستراتيجي، اذ يعتبر البوابة الجنوبية للبحر الاحمر، والطريق البحري الاقصر الذي يربط بين قارتي اسيا واوروبا عبر قناة السويس، وتفيد بيانات مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية (اونكتاد) بان قناة السويس تستاثر بنحو 10% من حجم التجارة البحرية العالمية، و22% من تجارة الحاويات العالمية، مما يعني ان حدوث اي اضطرابات في باب المندب لن يؤدي فقط الى تعطيل ناقلات الطاقة، بل سيضغط ايضا على سلاسل الامداد العالمية الخاصة بالحاويات والبضائع العامة.
وقد اوضح صندوق النقد الدولي ان الاضطرابات التي شهدها البحر الاحمر في مطلع 2024 ادت الى انخفاض التجارة العابرة للسويس بنسبة 50% على اساس سنوي، في حين شهد المرور حول راس الرجاء الصالح قفزة بنسبة 74%، مما يوضح ان مجرد تراجع الثقة الامنية في هذا المسار كاف لاعادة تشكيل خرائط الملاحة والتجارة.
ويعني هذا عمليا ان تعطل باب المندب بالتوازي مع توقف حركة الملاحة في هرمز سيحول الصدمة من مجرد ازمة طاقة خليجية الى ازمة نقل عالمية، وتقدر الاونكتاد ان اعادة التوجيه حول راس الرجاء الصالح ستزيد المسافة بين ميناء شينزن الواقع في جنوب الصين وميناء روتردام الواقع في شمال غرب اوروبا من 10 الاف ميل بحري الى 13 الف ميل، مما سيؤدي الى اطالة زمن الرحلة من حوالي 31 يوما الى 41 يوما.
كما سترتفع كلفة الرحلة بين اسيا واوروبا ذهابا وايابا لسفينة حاويات متوسطة الحجم من حوالي مليون دولار عبر قناة السويس الى 1.7 مليون دولار حول راس الرجاء الصالح، وذلك مع ما يترتب على ذلك من ارتفاع في اجور الطواقم واستهلاك الوقود وزيادة اقساط التامين، فضلا عن احتمالات حدوث اختناقات في الموانئ.
وهنا تتجاوز الخسارة مجرد التاخير الزمني، لان الطرق الاطول تستهلك طاقة شحن اضافية، وتقلص عدد الرحلات الممكنة للاسطول نفسه خلال العام الواحد، وتوضح الاونكتاد ان تحويل السفن بعيدا عن البحر الاحمر قد رفع الطلب العالمي على السفن بنسبة 3%، وعلى سفن الحاويات بنسبة 12% بحلول منتصف 2024، مما يعني ان المسارات البديلة تولد ضغطا اضافيا على الطاقة الاستيعابية العالمية، وتخلق اختناقات جديدة في الموانئ، وترفع اسعار الشحن حتى قبل احتساب اثر الصدمة النفطية نفسها.
اما في جانب الطاقة، فان تزامن الخطرين يضرب معادلة الامداد من جهتين، اذ يظل هرمز الممر الاكبر عالميا، حيث عبره في النصف الاول من 2025 حوالي 20.9 ملايين برميل يوميا من النفط والسوائل البترولية، بالاضافة الى 11.4 مليار قدم مكعبة يوميا من الغاز الطبيعي المسال، اي ما يزيد على خمس التجارة العالمية من الغاز المسال.
وبذلك، فان باب المندب لا يكرر وظيفة هرمز من حيث الحجم، الا انه يضاعف اثر تعطله، لانه ينسف مسار الالتفاف الجنوبي والربط مع قناة السويس في الوقت نفسه، فاذا تعطل هرمز وحده، فمن الممكن نظريا الحديث عن بعض التحويلات المحدودة عبر خطوط الانابيب او الموانئ البديلة، اما اذا تعطل هرمز وباب المندب معا، فان الخسارة تتحول الى ازمة عبور واعادة توجيه واختناق لوجستي اوسع.
وفي هذا السياق، قالت خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان في حديث للجزيرة نت ان الاثر الاكبر في الوقت الحالي قد لا يكون في قطاعي النفط والغاز، بقدر ما سيكون في سلاسل الامداد الاخرى، مشيرة الى ان التضييق على باب المندب، بالتزامن مع اغلاق مضيق هرمز، يخنق ايضا قناة السويس، ويضيف ضغوطا اقتصادية على مصر، ويطيل زمن وصول السلع من اسيا الى اوروبا عبر الالتفاف حول افريقيا بما يتراوح بين 15 و20 يوما اضافية للناقلة.
وتكتسب هذه القراءة اهمية خاصة عند تقييم البدائل الفعلية، اذ تقدر ادارة معلومات الطاقة الامريكية ان السعودية والامارات تمتلكان معا طاقة انابيب فائضة بنحو 2.6 مليون برميل يوميا، والتي يمكن ان تلتف جزئيا على هرمز في حال التعطل، كما تشير في دراسة منفصلة الى ان خط الانابيب السعودي شرق غرب الى البحر الاحمر تبلغ طاقته 5 ملايين برميل يوميا، ويمكن توسيعه مؤقتا الى 7 ملايين.
الا ان هذه البدائل لا تمثل حلا كاملا، لان جزءا منها يظل معتمدا في النهاية على مرافئ البحر الاحمر ومساراته البحرية، والتي لا تستطيع تعويض كامل الكميات التي تمر عبر هرمز، فضلا عن انها لا تحل مشكلة تعطل حركة الحاويات والبضائع غير النفطية، ولهذا، قال الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية، بحسب رويترز، انه "لا بديل" فعليا لهرمز، وهي عبارة تزداد دلالتها اذا اضيف اليها باب المندب، بوصفه بوابة الخروج من البحر الاحمر.
ويشير استاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري، في تعليقه للجزيرة نت، الى ان الاقتصادات المعولمة لم تعد تنتج سلعة نهائية داخل حدود دولة واحدة، بل اصبحت تعتمد على مكونات ومدخلات تمر عبر عشرات البلدان والممرات البحرية، ومن ثم، فان تعطيل هرمز وباب المندب لا يصيب النفط وحده، بل يضرب ايضا الاسمدة والمعادن والمكونات الصناعية والسلع الوسيطة، بما ينعكس على تكلفة الانتاج العالمية وعلى اسعار المستهلك النهائي.
ويضيف ان الخطر الاكبر لا يكمن فقط في الندرة المادية، بل ايضا في الية التسعير نفسها، اذ تدفع الاخبار والمضاربات الاسواق الى ردود فعل مبالغ فيها، والتي قد تقفز بالاسعار بسرعة كبيرة قبل ان تصل الصدمة الكاملة الى الاقتصاد الحقيقي.
ويظهر هذا الاثر بوضوح في سوق الشحن والتامين، فبحسب رويترز، قفزت اجور ناقلات الخام العملاقة على خط الشرق الاوسط-الصين الى اكثر من 423 الف دولار يوميا في مطلع مارس، كما ارتفعت اجور ناقلات الغاز المسال باكثر من 40%.
وفي قطاع التامين، ارتفعت كلفة التامين البحري على هيكل الناقلة الى 3% من قيمة السفينة، وذلك مقابل حوالي 0.25% قبل الحرب، بما يعادل حوالي 7.5 ملايين دولار لناقلة تتراوح قيمتها بين 200 و300 مليون دولار.
كما افادت رويترز بان كلفة التامين على شحن البضائع عبر الخليج ارتفعت بما يصل الى خمسة اضعاف في غضون 48 ساعة فقط، بينما فرضت شركات كبرى رسوما اضافية مرتبطة بمخاطر الحرب و"الطوارئ النزاعات" على الشحنات المتجهة من والى الخليج والبحر الاحمر.
وتعني هذه الارقام ان اي اغلاق فعلي، او حتى مجرد تهديد مستمر لباب المندب، قد يشل حركة التجارة العالمية، فمجرد تغير تقدير المخاطر لدى شركات التامين والملاحة يكفي لدفع السفن الى تجنب هذا المسار، وهذا ما تحذر منه لوري هايتايان ايضا، اذ ترى ان السيناريو الاخطر قد يبدا من تعديل عقود التامين ورفع اقساطها، وذلك قبل الوصول الى استهداف مباشر للسفن، مما سيدفعها تلقائيا الى اختيار طريق راس الرجاء الصالح، لتعود موجة جديدة من ارتفاع الاسعار، بالاضافة الى موجة ارتفاع اسعار النفط والغاز الحاصلة.
ومن زاوية الاقتصاد الكلي، فان هذا التشابك بين صدمة الطاقة وصدمة النقل يرفع من احتمالات انتقال العالم الى بيئة اقرب الى الركود التضخمي، اذ توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان نمو الاقتصاد العالمي مرشح للهبوط الى 2.9% في 2026، مع ارتفاع معدل التضخم لمجموعة العشرين الى 4%، اي اعلى بـ 1.2 نقطة مئوية من التقديرات السابقة، مع خفض معدل النمو في منطقة اليورو الى 0.8% بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة.
وعلى مستوى القطاعات، تبدو اسواق الطاقة والنقل البحري والتامين والبتروكيماويات والاسمدة والصناعات التحويلية هي الاكثر تعرضا للضرر المباشر، اذ تتلقى الطاقة الصدمة الاولى عبر النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز، ويتلقى الشحن البحري الصدمة الثانية عبر المسارات الاطول والرسوم الاضافية، ويرفع التامين الكلفة على كل سفينة تقرر العبور، ثم تنتقل العدوى الى الصناعات التي تعتمد على مدخلات مستوردة ومواعيد تسليم دقيقة، والى قطاعي الغذاء والاسمدة نتيجة ارتفاع كلفة النقل والطاقة والمواد الاولية.
وقد لخص كميل الساري هذه الحلقة بقوله ان الاثر لم يعد يقتصر على "قرية في افريقيا او مدينة في اسيا"، بل اصبح يمس الاقتصاد العالمي كله عبر الية الاسعار وسلاسل الامداد المتشابكة.







