الرياض تعيد تعريف اقتصاد العاصمة بمشروع مواقف مبتكر

تشهد العاصمة الرياض تحولا جذريا في بنيتها التحتية من خلال مشروع "مواقف الرياض"، الذي يتجاوز كونه مجرد تنظيم لحركة المركبات، ليصبح استراتيجية شاملة تهدف إلى تحويل المساحات العامة إلى أصول حضرية ذات قيمة اقتصادية ملموسة، مما يسهم في تحسين جودة الحياة وتقليل الازدحام المروري، فضلا عن دعم الحراك الاقتصادي في الشوارع التجارية والأحياء الحيوية.
وياتي تسليط الضوء على منظومة "مواقف الرياض" في هذا التوقيت بالتزامن مع الجهود الحثيثة لتحويل العاصمة إلى واحدة من أفضل المدن العالمية من حيث جودة الحياة والقدرة التنافسية، ومع قرب اكتمال مراحل التشغيل الفعلي لشبكة قطار الرياض، تبرز أهمية المواقف المنظمة كحلقة وصل حيوية لضمان سهولة الوصول إلى المحطات والمراكز التجارية الكبرى.
وكان مشروع "مواقف الرياض"، التابع لأمانة منطقة الرياض، قد انطلق فعليا في مرحلته الأولى في 25 أغسطس، مستهدفا تنظيم الحركة المرورية في 12 منطقة حيوية بالعاصمة، وذلك باستخدام أحدث أنظمة الدفع الإلكترونية وتطبيق ذكي لإدارة المواقف، بهدف تحسين تجربة المستخدمين، وتتوزع خريطة المشروع بين إدارة 24 ألف موقف مدفوع في الشوارع التجارية المزدحمة، وتخصيص أكثر من 140 ألف موقف مجاني لسكان الأحياء السكنية، في خطوة تهدف أساسا إلى حماية حقوق السكان في الحصول على مواقف ميسرة، والحد من ظاهرة الوقوف العشوائي التي تؤثر سلبا على المجمعات السكنية والتجارية.
ويجري تنفيذ المشروع من خلال شراكة استراتيجية بين "ريمات الرياض للتنمية"، الذراع التنموية لأمانة منطقة الرياض، وشركة "سلوشنز"، الذراع التقنية لمجموعة "اس تي سي"، المتخصصة في خدمات إدارة تكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية، وذلك لإنشاء وإدارة وتشغيل وصيانة المواقف العامة الذكية في مدينة الرياض ضمن عقد يمتد لعشر سنوات، في إطار نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ويعتمد نظام إدارة المواقف على استخدام التقنيات الحديثة المتطورة، مثل أجهزة الاستشعار الذكية وتطبيقات الهاتف الجوال، بالإضافة إلى تحليل أنماط الاستخدام ومعدلات الإشغال، مما يساعد على تحسين إدارة المواقف وتخطيط البنية التحتية المستقبلية، إضافة إلى تقليل الوقت المستغرق في البحث عن موقف شاغر وتحسين انسيابية الحركة المرورية.
وفي هذا السياق، تعمل شركة "ريمات الرياض" على توسيع نطاق تطوير منظومة المواقف خارج الشارع، حيث طرحت أكثر من 50 فرصة استثمارية بمساحة تقارب 200 ألف متر مربع، بالشراكة مع القطاع الخاص، في مواقع استراتيجية تشهد كثافة مرورية عالية، مثل المناطق المجاورة للمستشفيات ومحطات قطار الرياض والمراكز التجارية.
كما وقعت الشركة عقدين مع شركة "ارسان" لتطوير وتشغيل 11 موقعا جديدا للمواقف السطحية في عدد من الأحياء الحيوية بمدينة الرياض، في خطوة تهدف إلى زيادة المعروض من المواقف وتنظيم استخدامها والحد من الوقوف العشوائي.
وتشمل المشاريع الجديدة أعمال الإنشاء والإدارة والتشغيل والصيانة في مواقع داخل أحياء ذات كثافة سكانية عالية، مثل المربع والملقا والياسمين والمروج، بمساحة إجمالية تبلغ نحو 20500 متر مربع، وذلك ضمن جهود رفع كفاءة التنقل وتحسين المشهد الحضري في العاصمة.
ويرى المطور العقاري والرئيس التنفيذي لشركة "منصات العقارية" خالد المبيض، أن تنظيم المواقف في الشوارع التجارية يسهم بشكل كبير في رفع كفاءة استخدام المساحات العامة ويعزز سهولة الوصول إلى الأنشطة التجارية، مشيرا إلى أن توفر المواقف المنظمة يعد عاملا مهما في تحسين جاذبية المواقع التجارية وزيادة قدرتها على استقطاب الزوار.
واوضح أن التنظيم الجيد للمواقف لا يقتصر تأثيره على حركة المرور فحسب، بل يمتد إلى الجانب الاقتصادي، إذ تصبح المواقع التي تتوفر فيها مواقف منظمة وسهلة الدفع أكثر جاذبية للمستأجرين والمستثمرين، الأمر الذي قد ينعكس على تحسن مستويات الإيجارات واستقرارها مقارنة بالمناطق التي تعاني من فوضى المواقف أو صعوبة الوصول.
واضاف أن مشروع "مواقف الرياض" يمكن أن يسهم في إعادة توزيع الحركة التجارية داخل الشوارع الحيوية، حيث يؤدي توفر المواقف المنظمة إلى رفع معدل دوران المواقف، مما يسمح بزيادة عدد الزوار القادرين على الوصول إلى المحلات التجارية.
وبين أن ذلك قد يعزز معدلات الإشغال في المتاجر ويزيد من النشاط الاقتصادي في بعض الشوارع، خصوصا تلك التي كانت تعاني سابقا من احتكار المواقف لفترات طويلة.
واشار المبيض إلى أن مثل هذه المشاريع قد تدفع المطورين العقاريين مستقبلا إلى إعادة النظر في تصميم المشاريع التجارية ومتعددة الاستخدامات، بحيث تصبح إدارة المواقف وكفاءة الوصول جزءا أساسيا من دراسات الجدوى والتخطيط العمراني.
ولفت إلى أن المواقف في المدن الحديثة لم تعد مجرد عنصر خدمي، بل تحولت إلى عامل اقتصادي مؤثر في تجربة الزائر وحجم الإقبال على المواقع التجارية، بل وحتى في تقييم الأصول العقارية على المدى الطويل.







