فجوة الرقمنة.. لماذا تعجز الآلة عن قراءة الذاكرة العربية؟

تواجه عملية رقمنة التراث العربي تحديات تقنية معقدة تتجاوز مجرد تحويل الكتب والمخطوطات من ورق إلى صور رقمية. وبينما تتراكم ملايين الوثائق في الأرشيفات والمكتبات، يظل الوصول إلى محتواها الحقيقي متعذرا على محركات البحث ونماذج الذكاء الاصطناعي التي تتعامل مع الصفحات المصورة كصور صماء لا كبيانات نصية قابلة للتحليل.
واضاف باحثون وخبراء في تقنيات الحوسبة أن المشكلة تكمن في غياب القدرة على تحويل هذه الصور إلى نصوص مفهومة آليا، وهو ما يتطلب تقنيات متطورة للتعرف الضوئي على الحروف والتعرف على الكتابة اليدوية، مع ضرورة تفكيك بنية الصفحة العربية التي تمتاز بتعقيدات طباعية وتاريخية تجعل من الصعب على الأنظمة الحالية استخلاص النص بدقة.
وبينت مجموعة سرد التي اطلقها باحثون من جامعة الامير سلطان واكاديمية طويق في سبتمبر الماضي، حجم الفجوة في البيانات التدريبية، حيث وفرت اكثر من مليوني صورة لصفحات عربية تحتوي على ملايين الكلمات، وذلك في محاولة لمحاكاة تخطيطات الكتب وتدريب النماذج على فهم البنية النصية العربية، وهو ما يمثل خطوة هامة نحو سد النقص في البيانات المرجعية الموثوقة.
واكد مدير مختبر الروبوتات وانترنت الاشياء وديع بوليلة، ان الاعتماد على البيانات الاصطناعية يوفر قاعدة جيدة للتدريب، لكنه يشدد على ان النجاح في قراءة النص المطبوع لا يعني بالضرورة القدرة على التعامل مع المخطوطات القديمة التي تتسم بتداخل الخطوط وعيوب الورق، داعيا الى تعزيز التعاون مع مراكز الارشيف لجمع عينات حقيقية وتكييف النماذج معها.
واوضح المهندس في معهد قطر لبحوث الحوسبة حمدي مبارك، ان التحدي لا يتوقف عند استخراج الحروف، بل يمتد الى استعادة الوثيقة ككل، مشيرا الى ان الاخطاء في الرقمنة قد تؤدي الى تشويه المعاني التاريخية، حيث ان حرفا واحدا خاطئا قد يغير دلالة الكلمة بالكامل، مما يستوجب وضع معايير صارمة لضبط الجودة والاحتفاظ بالرابط بين النص المستخرج والصورة الاصلية للوثيقة.
وشدد مبارك على ان استخراج النص يمثل مجرد البداية، مبينا ان العملية تتطلب تدقيقا بشريا ومعالجة دقيقة لترتيب القراءة والحواشي، محذرا من ان تكرار اخطاء الرقمنة عبر ملايين الصفحات قد يؤدي الى تعليم النماذج الذكية معلومات مغلوطة تصبح جزءا من المعرفة الرقمية المستقبلية.
وكشفت النقاط البحثية الاخيرة ان الهدف النهائي من رقمنة الذاكرة العربية ليس مجرد تحويلها الى نصوص قابلة للبحث، بل ضمان بقاء هذه النصوص امينة لاصولها التاريخية وقابلة للاستخدام في سياقها الصحيح، مما يتطلب تضافر جهود خبراء اللغة مع مهندسي الذكاء الاصطناعي للحفاظ على التراث من الضياع في العالم الرقمي.







