وجوه منسية في شوارع السودان: كيف حولت الحرب حياة المواطنين الى رحلة بحث يومية عن لقمة العيش

لم يعد مشهد مد الايدي في شوارع السودان واسواقه ومساجده مجرد حالة فردية طارئة بل اصبح انعكاسا لواقع انساني مرير تفرضه تداعيات الحرب المستمرة التي التهمت مصادر الرزق ودفعت الملايين نحو حافة العوز والفقر المدقع. وتشير التقديرات الحالية الى ان نسبة الفقر في البلاد بلغت مستويات قياسية وغير مسبوقة مما جعل الكرامة الانسانية في مواجهة اختبار يومي قاس في ظل تآكل الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
واوضحت التقارير الميدانية ان خلف كل يد ممدودة تكمن قصة مؤلمة لرب اسرة فقد قدرته على العمل بسبب الاصابة او لأم فقدت معيلها ووجدت نفسها وحيدة في مواجهة اعباء الحياة وتكاليف الغذاء والعلاج. واكد مراقبون ان اتساع رقعة الفقر لا يمثل مجرد ارقام في تقارير دولية بل هو انهيار حقيقي في شبكات الامان الاجتماعي التي كانت تحمي الاسر السودانية قبل اندلاع الصراع.
وكشفت قصص النازحين والمتضررين عن حجم المعاناة التي يعيشونها يوميا حيث يروي الكثيرون كيف تحولوا من منتجين ومستقرين الى باحثين عن المساعدة بعد ان فقدوا منازلهم وممتلكاتهم. واضاف بعضهم انهم اضطروا للنزوح المتكرر بحثا عن الامان الا انهم اصطدموا بواقع اقتصادي خانق جعل توفير وجبة واحدة لأطفالهم تحديا يفوق طاقتهم.
وبينت الباحثة الاجتماعية رندا حسين ان التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب نظرة انسانية بعيدة عن الاحكام المسبقة مشيرة الى ان الكثير من هؤلاء كانوا يوما ما اصحاب مهن وحرف قبل ان تسرق الحرب استقرارهم. واضافت ان استمرار هذا الوضع قد يفاقم الازمة الانسانية الى مستويات اخطر اذا لم يتم توفير بدائل انتاجية تساعد الناس على العودة للعمل بدلا من الاعتماد على المساعدات.
واكدت السلطات المحلية في الخرطوم انها بدأت في حصر اعداد المتضررين والمشردين في محاولة لتنظيم الوضع وتقديم الدعم الممكن في ظل الامكانيات المتاحة. وشدد المسؤولون على ان هذا الملف اصبح يتطلب تدخلا عاجلا ليس فقط من الجانب الاجتماعي بل كأولوية تضمن سلامة واستقرار المجتمع في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
واظهرت المبادرات الفردية لبعض المواطنين الذين تحولوا من التسول الى العمل البسيط مثل بيع الشاي او الاعمال اليدوية رغبة حقيقية في الخروج من دائرة العوز. واختتم النازحون حديثهم بالتأكيد على ان حلمهم الوحيد ليس الحصول على المال فحسب بل استعادة حياتهم الطبيعية والحصول على فرصة عمل تحفظ كرامتهم وتؤمن مستقبل اطفالهم بعيدا عن مشقة السؤال.







