مسيحيو غزة بين طوفان النزوح وهاجس البقاء

تلاشي الوجود التاريخي تحت وطأة الحرب
يواجه الوجود المسيحي في قطاع غزة تحديات وجودية غير مسبوقة في ظل استمرار العمليات العسكرية التي لم تستثنِ أحدا. فقد تحولت حياة العائلات المسيحية إلى سلسلة من الفقد والنزوح القسري الذي طال الكنائس والمرافق التابعة لها. وتكشف المعطيات الميدانية عن تراجع حاد في أعداد المسيحيين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الاستهداف المباشر وسندان الحصار الخانق الذي ينهش مقومات الحياة. ويظهر الواقع الحالي أن الكثير من العائلات فقدت أحباءها في غارات مفاجئة جعلت من الأمان حلما بعيد المنال.
واضافت الاحصائيات ان عدد المسيحيين في القطاع كان يقدر بنحو 1070 شخصا قبل اندلاع المواجهات الاخيرة. وبينما استشهد 62 منهم نتيجة القصف او نقص الرعاية الطبية الحادة. اضطر نحو 470 فردا الى مغادرة القطاع بحثا عن ملاذ آمن. موضحا ان من تبقى من السكان يواجهون ظروفا قاسية تفرض عليهم خيارات صعبة بين النزوح داخل الكنائس او البقاء في بيوت مدمرة.
الكنيسة كملجأ وملاذ إنساني
وتؤدي الكنائس في غزة دورا يتجاوز الجانب الروحي لتصبح حاضنة اجتماعية وتعليمية لكافة أطياف المجتمع. حيث تفتح كنيسة دير اللاتين وكنيسة القديس برفيريوس أبوابها لاستقبال النازحين من المسلمين والمسيحيين على حد سواء. كاشفة عن تضامن مجتمعي فريد في مواجهة المأساة الجماعية التي تعيشها المدينة. وتعمل هذه المؤسسات على تقديم الدعم الغذائي والطبي في ظل شح الموارد وتواصل القصف.
واكد القائمون على هذه المرافق ان الاستهداف طال حتى الملاجئ والمباني الكنسية التي كان يفترض بها ان تكون ملاذا للمدنيين. مبينا ان الحوادث الدموية التي وقعت داخل اسوار الكنائس لم تمنعهم من الاستمرار في اداء رسالتهم الانسانية تجاه من فقدوا منازلهم واصبحوا بلا مأوى. ومشددا على ان الارتباط بالارض يظل المحرك الاساسي لبقاء الكثيرين رغم المخاطر المحدقة.
تمسك بالجذور رغم قسوة الواقع
ويعكس صمود كبار السن الذين يرفضون مغادرة القطاع حالة من التمسك بالهوية والوطن رغم تقدم العمر وصعوبة الظروف الصحية. حيث يفضل هؤلاء البقاء في غزة حتى في ظل الدمار الشامل بدلا من تجربة حياة الشتات. موضحا ان قرار البقاء ليس مجرد خيار فردي بل هو تعبير عن عمق الانتماء لهذه الارض التي شهدت تفاصيل حياتهم. وكشفت الشهادات ان الرحيل لا يعد بداية جديدة بل هو فقدان للهوية والذكريات.
وبين ان التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على النسيج الاجتماعي المسيحي من الانقراض التام في ظل تزايد وتيرة النزوح. موضحا ان الجهود المبذولة حاليا تركز على تأمين الحد الادنى من مقومات الصمود لمن تبقى. ومؤكدا ان استمرار الوجود المسيحي مرهون بانتهاء الحرب وعودة الاستقرار الذي يسمح للنازحين بالعودة الى ديارهم. ومضيفا ان الكنيسة ستظل رمزا للوحدة الوطنية في مواجهة محاولات تفريغ القطاع من سكانه الاصليين.







