من أسطح غزة إلى العجز: قصة لاعب باركور أعجزته الحرب

غزة – تحول حلم شاب غزي يمارس رياضة الباركور إلى كابوس مرير. فبعد أن كان يقفز بخفة بين أسطح المباني، وجد نفسه أسيرا لجراح حرب طاحنة حولت جسده إلى ساحة ألم دائم، وأعجزته عن تلبية أبسط احتياجات أسرته.
من الحركة إلى العجز
بصعوبة بالغة، يحاول محمد أبو عودة، البالغ من العمر 31 عاما، استرجاع تفاصيل اللحظة التي غيرت مجرى حياته. ويصف الانفجار المفاجئ الذي حبس طاقته وحركته في جسد عاجز، تاركا إياه مشوها بإصابات لا يعرف تحديدا ما إذا كانت ناجمة عن قذيفة أو صاروخ، لكنه يلمس آثارها الموجعة في كل تفاصيل يومه.
أصيب أبو عودة بجروح خطيرة أفقدته عينه اليسرى، وألحقت أضرارا جسيمة بسمعه، إضافة إلى تحطيم أسنانه وجزء من فكه، وتشوهات في وجهه وأنحاء جسده. ويقول أبو عودة: "هذا الوجه ليس وجهي، وهذا الجسد ليس جسدي، الإصابة سرقتني وحطمتني".
"حياتي لا تشبهني"
في منزله المتواضع بمخيم خان يونس، الذي لم يسلم من قصف الحرب، يعيش أبو عودة مع زوجته وطفليه حياة قاسية. ويشرح قائلا: "كنت شابا مفعما بالأمل والنشاط، أعمل في صيانة اللوحات الإلكترونية وأمارس رياضة الباركور، واليوم أصبحت عاجزا حتى عن حمل غالون مياه".
وكل شيء حوله يذكره بماضيه. فالمباني التي كان يتسلقها يوما تحولت إلى ركام، وجسده الذي كان رمزا لقوته وحريته أصبح يذكره بعجزه الدائم. ويقول بألم: "حياتي توقفت عند لحظة الانفجار".
ويضيف أبو عودة: "كنت أتحدى الجاذبية، أتسلق وأقفز بين المباني، واليوم أقاتل من أجل البقاء على قيد الحياة أنا وأسرتي، إنها حياة لا تشبهني، ولكني مجبر عليها".
رحلة العلاج القاسية
لم يكن طريق العلاج أقل قسوة من الإصابة نفسها. ويتذكر أبو عودة كيف أفاق من غيبوبته واضطر للزحف لمسافة طويلة للوصول إلى مجمع ناصر الطبي، بعدما عجز عن إيجاد سيارة إسعاف أو وسيلة نقل وسط الفوضى والدمار.
ويصف تلك اللحظات بأنها كانت اختبارا قاسيا للبقاء، ويؤكد أنه لا يزال يقاوم من أجل أسرته، ويأمل في فرصة للسفر لتلقي علاج لا يتوفر في مستشفيات القطاع المنهكة.
حاجة وقيود
تشير التقديرات الصحية الرسمية إلى أن أكثر من 20 ألف جريح ومريض في غزة بحاجة إلى علاج عاجل خارج القطاع، خاصة مع انهيار المنظومة الصحية المحلية. وتعمل المنشآت القليلة المتبقية بإمكانات محدودة ومتهالكة.
ويكشف محمد عن أوجاعه ومواطن الإصابة في جسده، موضحا كيف توقفت حياته إلا من الأمل بالعلاج والعودة إلى حياته الطبيعية.
ويقول أبو عودة: "من حقي أن أسافر وأتلقى العلاج"، لكنه يدرك أن فرصته صعبة للغاية، حيث يحظى عدد محدود من الجرحى والمرضى بمغادرة القطاع للعلاج عبر معبر رفح، وسط قيود مشددة.
خسائر بشرية ومادية في قطاع الرياضة
لا يقتصر نزيف الحرب على أجساد الرياضيين، بل طال أيضا الملاعب والمنشآت الرياضية. ويقول مصطفى صيام، مسؤول دائرة الإعلام في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، إن الحركة الرياضية والشبابية الفلسطينية تكبدت خسائر فادحة جراء الحرب.
ويوضح أن 1007 رياضيين استشهدوا بنيران الاحتلال، فيما أصيب المئات بإعاقات دائمة، قضت على مستقبلهم الرياضي. كما تعرضت البنية التحتية الرياضية لدمار واسع، حيث دُمرت 265 منشأة رياضية، بما في ذلك مؤسسات سيادية ومقار الأندية والاتحادات والصالات والملاعب.
ويشير صيام إلى أن 12 ملعبا معشبا لكرة القدم الخماسية والسداسية والسباعية، شيدت بدعم من الفيفا، تعرضت للتدمير، ما يمثل ضربة قاسية لآمال تطوير اللعبة في القطاع.
ويختم المسؤول الرياضي حديثه بالتأكيد على أن الخسائر البشرية والمادية الفادحة تعكس انهيارا مروعا في البنية الرياضية والاجتماعية والثقافية في غزة، حيث كانت الرياضة تمثل مساحة للأمل بالنسبة للشباب، وقد حوّلت الحرب أحلامهم وآمالهم وملاعبهم إلى أطلال.







