تصاعد الاعتقالات الادارية السرية تطال فلسطينيي 48

في مركز تحقيق الجلمة القريب من مدينة حيفا شمالي إسرائيل، يعيش عدد من شبان مدينة أم الفحم بالداخل الفلسطيني ظروفا قاسية ومزرية داخل أقبية التحقيق التابعة لجهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك".
يواجه المعتقلون عزلا تاما، ويمُنعون من لقاء أي محام أو التواصل مع ذويهم، في محاولة واضحة للضغط النفسي والاستنزاف لإجبارهم على اعترافات بشأن شبهات أمنية لا أساس لها تحاول النيابة العامة الإسرائيلية تلفيقها لهم، وفق محاميين تحدثا للجزيرة نت.
خلال الأسبوعين الأخيرين، اعتُقل نحو 15 شابا من المدينة، في حملة وصفها محامون ومراكز حقوقية بأنها غير مسبوقة، تزامنت مع اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير.
وتاتي هذه الاعتقالات ضمن موجة أوسع من الاعتقالات الإدارية بحق فلسطينيي 48 منذ أكتوبر 2023، إذ تقدر المؤسسات الحقوقية المئات من الاعتقالات التي تهدف إلى خلق حالة من الترويع والترهيب في صفوف المجتمع الفلسطيني بالداخل.
ويشير محامون إلى أن هذه السياسة تمثل "انتهاكا صارخا للقانون"، إذ تُحوَّل شبهات غير مثبتة إلى أدوات للتهديد، ويُحرم المعتقلون وذووهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
وفي رايهم، يعكس هذا الواقع اتساع ظاهرة الاستهداف الممنهج لشباب الداخل الفلسطيني تحت ذرائع أمنية واهية، بهدف ردعهم وسلخهم عن ارتباطهم بالقضايا الوطنية والقومية، في ظل التوترات الإقليمية والحرب المستمرة في الشرق الأوسط.
لم تعد الاعتقالات الإدارية -حسب رصد مختصين- حالات فردية، بل باتت نمطا ممنهجا ضمن آلية لإخضاع المجتمع الفلسطيني، إذ يُمنع على العائلات الإعلان عن اعتقال أبنائها أو مناقشة هذا الأمر مع وسائل الإعلام، كما يُحظر عليهم زيارة المعتقلين أو الاطلاع على أسباب احتجازهم، مما يزيد من حالة الخوف والقلق النفسي داخل البلدات العربية بالداخل.
والاعتقال الإداري هو احتجاز شخص من قبل سلطات الاحتلال بموجب "ملف سري" لمدة تصل إلى 6 أشهر قابلة للتمديد دون سقف زمني أو توجيه تهمة محددة أو لائحة اتهام، أو إجراء محاكمة عادلة أو دفاع قانوني.
بعد أسبوعين من اعتقالهم، انعقدت محكمة الصلح في حيفا، ظهر الخميس، في جلسة سرية ومغلقة تماما لعدد من المعتقلين، ومنعت خلالها العائلات من الدخول، خلال الجلسة، مددت المحكمة اعتقال 4 من شبان مدينة أم الفحم بتهم أمنية لم تكشف تفاصيلها، وبقيت هذه التهم طي السرية الكاملة.
لم يتم إحضار الشبان إلى قاعة المحكمة بشكل مباشر، بل تم عرضهم على هيئة القضاة عبر تطبيق "الزوم"، في إجراء يثير قلق حقوقيين حول شفافية المحاكمة وحقهم في الدفاع.
في الوقت نفسه، يظل مصير 11 شابا آخر من المعتقلين غامضا، إذ لم يسمح لبعضهم بعد بلقاء محاميين، مما يزيد من حالة القلق والتوتر لدى العائلات ويعكس اتساع ظاهرة الاحتجاز الإداري السري بحق فلسطينيي 48.
قال المحامي رسلان محاجنة، المترافع عن الشبان المعتقلين في مدينة أم الفحم، إن تمديد اعتقال الشبان الأربعة حتى يوم الاثنين المقبل يبرز صعوبة أوضاعهم، رغم أنهم لا يحملون أي سوابق جنائية أو أمنية.
واضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن الشبان "يعيشون ظروفا قاسية داخل مراكز التحقيق، مع استمرار الاستجوابات المكثفة التي تعكس استهدافا واضحا لهم".
واشار إلى أن النيابة العامة تفرض سرية تامة على تفاصيل الشبهات الأمنية المزعومة، مكتفية بالإعلان عن الاعتقالات فقط دون الكشف عن الأدلة أو طبيعة التهم.
واوضح محاجنة أن هذا "يثير مخاوف من احتمال تحويل المعتقلين إلى الاعتقال الإداري في حال فشل النيابة في تقديم أدلة ملموسة لدعم الشبهات، خصوصا في ظل تصاعد ظاهرة الاعتقالات الإدارية منذ الحرب على غزة".
يؤكد المحامي أن رصد الأسبوعين الأخيرين أظهر اعتقال نحو 15 شابا من أم الفحم وحدها، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على المدينة، بل تشمل عديدا من البلدات العربية داخل الخط الأخضر.
واضاف أن "الشرطة وجهاز الشاباك ينفذون مداهمات ليلية واقتحامات للمنازل واعتقالات دون مبرر، وغالبا لا يعرف الأهالي مكان وجود أبنائهم أو السماح لهم بلقاء محامين".
واوضح محاجنة أن الشبهات الأمنية التي تقدمها النيابة "غالبا عامة وفضفاضة"، ولا تدعمها أي بيانات أو أدلة، مما يرفع احتمال تحويل المعتقلين للاعتقال الإداري، الذي أصبح أداة للقمع السياسي والقانوني في صفوف فلسطينيي 48.
واكد أن هذا الأسلوب "يهدف إلى ترهيب الشباب وعائلاتهم، وإسكات الجماهير ومنعهم من أي نشاط جماهيري أو سياسي، ويعزز حالة الخوف داخل المجتمع الفلسطيني".
وحذر المحامي محاجنة من أن "ظاهرة الاعتقالات الإدارية قد تتسع لتطال فئات اجتماعية ونشطاء جماهيريين وحزبيين، وربما بعض قيادات الأحزاب والحركات السياسية الوطنية، بما يهدف إلى خلق حالة من الرعب الجماعي وإحكام السيطرة على المجتمع الفلسطيني في الداخل".
وفي سياق سياسات إسرائيل لخلق حالة من الرعب الجماعي، كشف تقرير صادر عن مركز عدالة عن ارتفاع غير مسبوق في استخدام سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، خاصة منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، واعتمد التقرير على معطيات رسمية حصل عليها المركز من وزارة القضاء الإسرائيلية.
وكان الاعتقال الإداري يُستخدم تاريخيا بشكل شبه حصري ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، لكنه شهد في العامين الأخيرين توسعا ملحوظا، مع اعتقال آلاف الفلسطينيين إداريا، اللافت أن هذه السياسة امتدت إلى الداخل الفلسطيني (أراضي 48)، حيث سجلت مئات الحالات ضد مواطنين فلسطينيين يحملون الجنسية الإسرائيلية.
وتظهر بيانات وزارة القضاء أن الفترة بين بداية 2020 حتى مايو 2025 شهدت فتح 560 قضية اعتقال إداري في المحاكم المركزية الإسرائيلية بحق فلسطينيين في الداخل والقدس الشرقية، كما تم تقديم ما لا يقل عن 175 استئنافا إلى المحكمة العليا ضد هذه القرارات، لكن الغالبية العظمى منها رُفضت.
واشار التقرير -الذي حصلت الجزيرة نت على نسخة منه- إلى أنه منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة وحتى 21 مايو 2025، تداولت المحاكم المركزية الإسرائيلية 297 قضية اعتقال إداري، مما يعكس تصاعدا غير مسبوق في استخدام هذه الأداة القمعية ضد الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل خلال فترة الحرب.
من جهته، يؤكد المحامي حسن جبارين، مدير مركز عدالة الحقوقي، رفض إدارة المحاكم الإسرائيلية تزويد المركز بتفاصيل شاملة حول المعتقلين الإداريين، بما يشمل هويتهم، وأعمارهم، وفترات الاعتقال، وعدد أوامر التمديد أو الإلغاء، وهذا "يعكس حالة من التستر المتعمد على حجم الانتهاكات التي تمارسها السلطات الإسرائيلية، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".
واضاف في حديثه -للجزيرة نت- أن المعلومات الجزئية المتاحة تكشف الدور شبه الكامل للمحاكم في المصادقة على أوامر الاعتقال الإداري، دون أي آلية رقابية فعلية، مع الاعتماد على جلسات سرية تستند إلى مواد استخبارية مغلقة لا يطلع عليها المعتقل ولا محاميه، مما يكشف الخلل البنيوي العميق في هذه الإجراءات.
واشار إلى أن الاعتقال الإداري أحد أخطر الوسائل الاستثنائية، إذ يسمح باعتقال الأفراد دون محاكمة أو لائحة اتهام، استنادا إلى ادعاءات غامضة حول "خطر مستقبلي" لا يعرف المعتقل تفاصيله ولا يملك أي وسيلة لمواجهته أو تفنيده.
وورثت إسرائيل هذا النظام من قوانين الطوارئ التي فرضها الانتداب البريطاني، لكنها حولته -بحسب جبارين- إلى آلية دائمة تستخدم بشكل شبه حصري ضد الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية، أو غزة، أو القدس الشرقية، أو الفلسطينيين المواطنين داخل الخط الأخضر، وفق أطر قانونية مختلفة بحسب موقعهم.
ويفرض الاعتقال الإداري في الداخل الفلسطيني بموجب قانون صلاحيات الطوارئ لعام 1979، رغم أنه من المفترض أن يُستخدم فقط في حالات الطوارئ، فإن إسرائيل ما زالت في حالة طوارئ منذ إعلان استقلالها عام 1948.
وبالتالي، أصبح القانون بمثابة أداة دائمة، يحق بموجبها لوزير الدفاع الإسرائيلي إصدار أوامر اعتقال تصل إلى 6 أشهر قابلة للتجديد، مع مصادقة رئيس المحكمة المركزية خلال 48 ساعة، وإمكانية الاستئناف أمام المحكمة العليا.
وختم جبارين بالقول إن المحاكم، رغم إدراكها لطبيعة الاعتقال الإداري المتطرفة، تواصل في معظم الحالات المصادقة على استخدامه، مما يحوّل هذه الآلية إلى أداة قمعية شبه دائمة تستهدف الفلسطينيين في الداخل بلا رقابة فعلية.







