تحولات اسواق الدين العالمية تعيد رسم تكلفة راس المال وتضع اقتصادات الخليج تحت الاختبار

تشهد اسواق الدين العالمية حالة من عدم الاستقرار مع صعود لافت في عوائد السندات الامريكية واليابانية والبريطانية الى مستويات قياسية لم تسجل منذ سنوات طويلة. وتاتي هذه التطورات نتيجة تداخل ثلاثة ضغوط اقتصادية رئيسية تتمثل في تضخم اسعار الطاقة والعجوزات المالية المتزايدة واحتياجات الاقتراض الحكومي الضخمة التي دفعت المستثمرين الى اعادة تسعير مخاطر الديون طويلة الاجل بشكل جذري.
واكد طارق فضل الله الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الاوسط في شركة نومورا لادارة الاصول ان القفزة في العوائد ليست مجرد رد فعل مؤقت على التوترات الجيوسياسية بل هي انعكاس لتحول بنيوي في اسواق المال. واوضح ان المخاوف تتزايد من ان تصبح العوائد المرتفعة سمة مستدامة في ظل العجوزات المالية المزمنة للاقتصادات الكبرى التي تفرض ضغوطا مستمرة على اسعار الفائدة وتكلفة التمويل.
وبين فضل الله ان هذه التحركات تشير الى تغير جوهري في استراتيجيات المستثمرين الذين اصبحوا يركزون على الافاق المالية طويلة المدى بدلا من الاكتفاء بمراقبة قرارات البنوك المركزية. واشار الى ان تكلفة الاقتراض قد تظل مرتفعة حتى لو تراجعت الضغوط قصيرة الاجل مما يضع استدامة المالية العامة في الدول المتقدمة تحت مجهر الاسواق بشكل اكبر من اي وقت مضى.
واضاف ان الدين الامريكي الذي تجاوز حاجز 40 تريليون دولار يمثل التحدي الابرز في هذه المعادلة باعتباره المعيار الاساسي لتسعير الاصول الخالية من المخاطر عالميا. وكشف ان ارتفاع عوائد سندات الخزانة يرفع معدل الخصم المستخدم في تقييم كافة الاصول المالية الاخرى مما يضع اسواق الاسهم العالمية امام اختبار حقيقي لقدرتها على تحمل تكاليف التمويل الجديدة.
واوضح ان اليابان بدات ايضا في التحول بعيدا عن عصر المال الرخيص مع ارتفاع عوائد سنداتها الحكومية مما يهدد بنهاية استراتيجيات تجارة الفائدة التي اعتمد عليها المستثمرون لسنوات. واظهر ان هذا التغير قد يؤدي الى اعادة توجيه تدفقات راس المال العالمية نحو الاصول المحلية اليابانية مما يقلل من جاذبية الاقتراض بالين لتمويل الاستثمارات الخارجية.
وشدد فضل الله على ان اقتصادات الخليج تتاثر بشكل مباشر بهذه الموجة نظرا لارتباط العملات بالدولار الامريكي مما يرفع تكلفة تمويل المشروعات والديون السيادية. واكد في الوقت نفسه ان دول المنطقة تمتلك مصدات مالية قوية ومراكز سيادية متينة تمكنها من مواصلة خطط التنويع الاقتصادي بكفاءة عالية رغم ارتفاع تكلفة المال عالميا.
واختتم قائلا ان المرحلة المقبلة ستتطلب تركيزا اكبر على كفاءة تخصيص راس المال والعائد الاقتصادي للمشروعات لضمان استدامة النمو. وبين ان الاسواق العالمية قد تضطر للتعايش مع واقع العائد المرتفع لفترة اطول ما لم تتدخل البنوك المركزية او تشهد الاسواق انحسارا ملموسا في المخاطر الجيوسياسية وضغوط التضخم.







