غزة تستعيد تقاليد المقايضة في ظل أزمة اقتصادية خانقة

يشهد قطاع غزة تحولاً ملحوظاً نحو نظام المقايضة في المعاملات التجارية اليومية بسبب نقص حاد في السيولة النقدية وتضرر البنية المصرفية. وأدى الحصار المفروض إلى قيود تمنع تدفق الأوراق النقدية وفئات العملات الصغيرة إلى الأسواق مما ساهم في تفاقم الأزمة.
وأثرت هذه الظروف بشكل كبير على الاقتصاد المحلي، حيث شهدت القدرة الشرائية تراجعاً ملحوظاً. ودفع هذا العديد من الأسر في مخيمات النزوح إلى تبادل السلع الأساسية مثل الزيت والسكر والدقيق لتلبية احتياجات أطفالهم. ويبدو أن هذه الخطوات تمثل محاولة ذاتية لمواجهة انعدام السيولة وغياب فرص العمل.
وكشف نازحون عن واقع المعاملات اليومية في المخيمات، حيث أشار أحد المواطنين إلى أن السكان عادوا قسرياً لنظام المقايضة بسبب خلو الأسواق من النقد. وأوضح أن البطالة وتوقف صرف الرواتب بشكل كامل دفعهم للبحث عن حلول بديلة.
وأفاد المواطن بأن تراجع القوة الشرائية أجبر العائلات على تبادل المواد التموينية المتاحة، مما جعل امتلاك أي سلعة فائضة هو السبيل الوحيد للحصول على متطلبات الحياة الأخرى. وتدبير الشؤون اليومية بات أمراً معقداً في ظل الحصار المستمر.
وفي سياق الأزمة، أكدت النازحة أم سعيد أنها تفتقد للعديد من السلع الأساسية في خيمتها، مما يضطرها لتقديم بعض المواد الغذائية الفائضة للجيران بغية الحصول على مواد تنقصها مثل السكر والأرز والزيت. وأوضحت أنها تلجأ للمقايضة حتى مع المتاجر، مشيرة إلى أنها استبدلت ثوب صلاة بملابس رياضية لأطفالها.
وأكدت أم سعيد أنها لم تتعامل بالعملة النقدية منذ نحو عامين بسبب بطالة زوجها، مشددة على أن غياب السيولة يهدد حياة العديد من السكان. وأصبح نظام المقايضة هو الخيار المتاح لتفادي المجاعة.
وفي ظل تعطل فروع المصارف وشبكات الصراف الآلي، واجهت العائلات صعوبات في الاعتماد على التطبيقات الرقمية البديلة. وأعرب نازحون عن عدم فاعلية هذه الحلول بسبب الرسوم المرتفعة والقيود التشغيلية المعقدة.
وأشار نازح يعيل عائلة من ثمانية أفراد إلى أنه يضطر لمقايضة زيت الطهي بالدفاتر والأقلام لتلبية احتياجات ابنته في المرحلة الثانوية. كما يستبدل السلع التموينية بحليب الأطفال لتلبية احتياجات أسرته الأساسية.
وأوضح أن التطبيقات الإلكترونية لم تعد مجدية، إذ تتآكل قيمة الحسابات بسبب العمولات المرتفعة، مما يؤدي إلى شلل كامل في تفاصيل الحياة اليومية. وأصبح الحد الأدنى للشراء في المحلات التجارية عائقاً أمام شراء الاحتياجات البسيطة.
يرتبط التدهور الحالي في السيولة النقدية بسلسلة الاستهدافات التي تعرضت لها مقار المصارف الفلسطينية، حيث تشير التقارير إلى خروج أكثر من 90% من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي عن الخدمة. وقد حذرت المؤسسات المالية من أن تدمير البنية التحتية يعطل القدرة العملياتية للمنظومة المصرفية.
وحذر الخبراء من أن هذه الأزمة المالية تعمق من قسوة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للنازحين، مما يزيد من تعقيد حياتهم اليومية. في الوقت نفسه، برزت مشكلة جديدة تتمثل في نمو سوق موازية لتبادل الأموال، حيث يفرض بعض الصرافين عمولات مرتفعة تتراوح بين 30% إلى 50%.
وأصدرت سلطة النقد الفلسطينية تحذيرات رسمية للجهات غير المرخصة، مؤكدة أن هذه الممارسات الاحتكارية تزيد من الأعباء المعيشية وتعمق الحصار المالي المفروض على سكان القطاع.







