"فك الارتباط".. هل تنجح الصين وأوروبا و"بريكس" في تقويض عرش الدولار؟

على مدى عقود، شكّل الدولار الأميركي العمود الفقري للنظام المالي العالمي، لكن هذا الواقع بدأ يتصدع مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والعقوبات المالية التي دفعت قوى اقتصادية كبرى للبحث عن بدائل. هذه ليست مجرد محاولات نظرية، بل خطوات عملية متسارعة تقودها الصين والاتحاد الأوروبي ومجموعة "بريكس" لإعادة التوازن للنظام النقدي الدولي.
اليوان الرقمي: رأس الحربة في استراتيجية الصين
تقود الصين هذا التحول عبر "اليوان الرقمي" (e-CNY). فمنذ بدء اختباره في 2020، تسارعت وتيرة تبنيه بشكل لافت. ووفقاً لبيانات بنك الشعب الصيني، تجاوزت معاملات اليوان الرقمي 16.7 تريليون يوان (2.4 تريليون دولار) حتى نهاية نوفمبر 2025، مما يعكس قبولاً واسعاً داخل الصين ويمهد الطريق لتوسعه دولياً.
ولتعزيز هذا التوجه، أعلن البنك المركزي الصيني أن إطاراً تنظيمياً مطوراً سيدخل حيز التنفيذ مطلع عام 2026، يهدف إلى تحفيز الإقبال على اليوان الرقمي عبر مزايا إضافية، أبرزها دفع فوائد على الأرصدة الرقمية المحتفظ بها، وهي خطوة غير مسبوقة في عالم العملات الرقمية للبنوك المركزية.
هذا التحول يأتي في وقت تزايد فيه الإقبال العالمي على اليوان، مدفوعاً بفقدان الثقة في الأصول الأميركية. ووفقاً لوكالة "رويترز"، أدت السياسات التجارية والجمركية المتقلبة لإدارة ترامب إلى "تحول أوسع نطاقاً لدى المستثمرين بعيداً عن الدولار الأميركي نحو العملات الآسيوية واليورو".
منصة "إم بريدج": كسر هيمنة "سويفت"
لطالما هيمن نظام "سويفت" (SWIFT) على التحويلات الدولية، لكن الصين طورت بديلاً عملياً. منصة "إم بريدج" (mBridge)، وهي مشروع مشترك تقوده الصين مع بنك التسويات الدولية وبنوك مركزية أخرى (بينها الإمارات وتايلاند وهونغ كونغ)، أصبحت حقيقة واقعة.
تستخدم المنصة تقنيات البلوك تشين لإتاحة تسويات فورية خلال ثوانٍ وبتكلفة أقل بنسبة 98% مقارنة بـ"سويفت". وقد شهدت المنصة بالفعل آلاف المعاملات العابرة للحدود بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، استحوذ اليوان الرقمي على النصيب الأكبر منها، مما يثبت جدواها كبديل فعال يتيح للدول إجراء تعاملاتها خارج نطاق الرقابة والعقوبات الأميركية.
اليورو الرقمي: "خط الدفاع الوحيد" لأوروبا
في أوروبا، يتصاعد القلق من هيمنة الشركات الأمريكية على قطاع المدفوعات الرقمية. ولهذا، تدعم المفوضية الأوروبية بقوة خطة إطلاق "اليورو الرقمي" بحلول عام 2029. وتعتبره "خط الدفاع الوحيد" لحماية الاستقرار المالي الأوروبي وضمان استقلال القرار النقدي في مواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في الفضاء الرقمي.
"بريكس": قوة الموارد والعملات المحلية
تمثل مجموعة "بريكس" الموسعة (11 دولة) نحو 40% من الناتج الاقتصادي العالمي وحصة ضخمة من موارد الطاقة والمعادن. ووفقاً لدراسة نشرتها "مجلة بريكس للاقتصاد"، تسعى دول المجموعة بشكل حثيث لتوسيع استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، مستفيدة من مؤسساتها المالية مثل "بنك التنمية الجديد"، الذي يوفر تمويلاً بالعملات الوطنية بعيداً عن الدولار.
نحو نظام مالي متعدد الأقطاب
رغم أن هيمنة الدولار لن تنتهي بين عشية وضحاها، إلا أنه يواجه تحدياً غير مسبوق. إن المبادرات الصينية والأوروبية، مدعومة بالثقل الاقتصادي لمجموعة "بريكس"، ترسم ملامح نظام مالي عالمي جديد، أكثر تعددية، تتوزع فيه القوة النقدية بشكل تدريجي، وهو ما سيغير حتماً قواعد التجارة والتمويل في العقود المقبلة.







