أصوات من غزة: كيف تروي النساء قصة الحرب التي لا تحكيها الأرقام؟

لا تحتاج غزة الى مزيد من الارقام كي تثبت هول الكارثة، لكنها تحتاج الى من يصغي الى ما لا تقوله الارقام وحدها، كيف تحاول ام اطعام اطفالها في الخيمة؟ كيف تعيش المراة حملها بلا رعاية صحية ورضاعتها بلا غذاء كاف وخصوصيتها بلا ماء ولا مواد نظافة؟ وكيف يصبح البحث عن الطحين او الحليب او الحطب فعلا يوميا من افعال النجاة؟
من هذا المنطلق، تاتي مقالة الفت الكرد في صحيفة غارديان البريطانية بوصفها نداء لاختبار معنى الحرب من خلال اصوات النساء، فالكاتبة وهي باحثة ميدانية في منظمة بتسيلم الاسرائيلية لحقوق الانسان في غزة تروي انها فقدت والدها وشقيقها وزوجته وابنتهما ودمر منزلها في حي الشجاعية ونزحت 6 مرات قبل ان تغادر غزة الى مصر في ابريل، لكنها لا تقدم حكايتها بوصفها استثناء بل بوصفها مرآة لواقع اوسع تعيشه نساء غزة تحت الحرب الاسرائيلية.
تقول الكرد ان فهم ما يجري في القطاع لا يكتمل بالنظر الى النساء كفئة اضافية من الضحايا بل بوصفهن في قلب معنى الابادة، لان تدمير حياتهن يعني تدمير القدرة اليومية على استمرار المجتمع اطعام الاطفال ورعايتهم وحمايتهم وصون ما تبقى من البيت والاسرة والكرامة.
ومن هنا يصبح الاستماع الى شهاداتهن طريقا لفهم الفظائع كما تعاش في تفاصيلها لا كما تختزل في نشرات الاخبار.
وتسرد الكاتبة شهادات جمعتها من نساء ما زلن في غزة ضمن تقرير عن النساء الفلسطينيات تحت الابادة، من بينها قصة صفاء الفرماوي التي قتلت ابنتها غزل ذات الـ15 عاما عند مركز لتوزيع المساعدات في رفح بينما كانت الاسرة تبحث عن الطعام في زمن المجاعة.
وفي شهادة اخرى تتحدث ام عن اضطرار النساء الى استخدام قطع قماش او اجزاء من الملابس بدل الفوط الصحية في تفصيل يكشف كيف يتحول انهيار شروط الحياة الاساسية الى اعتداء يومي على الجسد والكرامة.
ولا تقف الكرد عند القتل والنزوح وحدهما، فهي تلفت الى ان انهيار النظام الصحي جعل الحمل والولادة والرضاعة اشد قسوة، فكثير من النساء الحوامل لا يستطعن متابعة حملهن طبيا وتعاني الامهات نقص الغذاء والفيتامينات وتجد بعضهن انفسهن عاجزات عن الرضاعة بسبب سوء التغذية في وقت يصبح فيه حليب الاطفال نادرا او غير متاح وبهذا لا يطال العنف الحاضر وحده بل يضرب امكان المستقبل نفسه.
هذا التركيز على شهادات النساء ليس حكرا على نداء الفت الكرد وحده، فقد اتسع منذ بدء الحرب مسار توثيقي وحقوقي واعلامي يرى في اصوات نساء غزة مدخلا اساسيا لفهم ما لا تقوله الارقام وحدها عن الابادة اليومية.
فقد انخرطت مؤسسات اكاديمية وحقوقية واعلامية في جمع هذه الشهادات ونشرها باشكال مختلفة نصوص مكتوبة مواد مترجمة شهادات صوتية مقابلات وارشيفات حقوقية مفتوحة، ومن بين هذه الجهود مشروع شهادات نساء من غزة الذي اطلقه معهد دراسات المراة في جامعة بيرزيت وجمع شهادات مكتوبة ومسموعة ارسلتها نساء عبر وسائل التواصل وواتساب وفيسبوك ثم نشرها بالعربية والانجليزية.
ولا يتعامل المعهد مع هذه الشهادات بوصفها تسجيلا للالم وحده بل بوصفها مادة لفهم اللغة والحياة والعمل الذي تنتجه النساء وسط الحرب، اذ جاءت الاصوات من طبيبات وصحفيات وطالبات وامهات وفنانات ومربيات وكاتبات اي من مواقع مختلفة داخل المجتمع الفلسطيني لا من صورة واحدة للضحية.
وفي المسار الحقوقي برزت جهود مؤسسات مثل الحق والمركز الفلسطيني لحقوق الانسان في ابراز شهادات النساء وربطها بتجارب النزوح وانعدام الخصوصية ونقص مواد النظافة وانهيار الرعاية الصحية ولا سيما معاناة النساء الحوامل والامهات، كما واصل المركز الفلسطيني لحقوق الانسان نشر شهادات من غزة عن الخسارات المركبة التي تعيشها النساء وعن انتهاك الحرب لاجسادهن وكرامتهن وعن امهات فقدن ابناءهن او عشن النزوح والجوع والانهيار النفسي.
وامتد هذا التوثيق ايضا الى المجال الصوتي والدولي كما في حلقة بودكاست اطلقتها الرابطة النسائية الدولية للسلام والحرية ضمن سلسلة اصوات من غزة قاربت شهادات نساء وفتيات فلسطينيات عبر عدسة القانون الدولي واتفاقية منع الابادة وبذلك لم تعد شهادة المراة الفلسطينية مادة انسانية عابرة بل جزءا من ارشيف يتشكل على اكثر من مستوى اكاديمي حقوقي اعلامي وصوتي.
ما تضيفه مقالة الفت الكرد الى هذا المسار انها تعيد التاكيد على ان شهادة المراة لا تستدعى لاثارة التعاطف فقط بل لتغيير زاوية الفهم، فالحديث عن النساء في غزة لا يضيق عدسة الحرب بل يوسعها من القصف الى الخيمة ومن الركام الى المطبخ ومن عدد الشهداء الى سؤال الحياة التي تنتزع ممن بقوا احياء.







