في غزة: إعاقة وإصرار يرسمان ملامح العيد رغم الصعاب

في غزة، وقبيل حلول عيد الاضحى المبارك، تتجسد معاني التحدي والامل في ورش صغيرة، حيث يحول اشخاص من ذوي الاعاقة وضحايا الحرب ظروفهم الصعبة الى فرص لصنع الفرحة، ورسم ملامح العيد.
تنشط قبيل العيد مهن اساسية كالحلاقة والخياطة وصيانة الاحذية، لكن ما يميز هذه الفترة هو ان من يقوم بهذه الاعمال هم اشخاص من ذوي الاعاقة، حلاق يواصل عمله رغم اصابته، وخياط اصم يستعين بابنته للتواصل مع الزبائن، ومصلح احذية يعيد الحياة للاشياء بخبرة سنوات.
بين جدران داكنة، يجلس الخياط يحيى النجار، البالغ من العمر 56 عاما، وهو اصم ومصاب في قدمه، الى ماكينة خياطة اصبحت مركز ورشته، وعلى الطاولة قماش ينتظر التعديل، فيحيى ينجز عمله باتقان، كما يصفه زبائنه.
تقف ياسمين، ابنة الخياط، بجواره لتكون الجسر بينه وبين الزبائن، تكتب وتشير وتشرح التفاصيل، وتلتقط ما يعجز الكثيرون عن ايصاله، فحين يلتبس الفهم على الزبائن، تكتب ياسمين المقاس والموعد والسعر، ويعود والدها فورا الى الماكينة.
اما اكثر ما يواجهه الاب وابنته من صعوبات، فهو تامين الموارد من خيوط وابر، فالخياط الذي كان يملك يوما عشرات الماكينات، يعمل اليوم على ماكينة واحدة بعد تضرر مصنعه خلال الحرب، ومع ذلك، يواصل القياس بدقة، ويعيد رسم حدود القماش، وكانه يعيد رسم يوم كامل لعائلة تنتظر قطعة تشبه العيد.
تشهد ورشة الخياطة اقبالا كثيفا من الشباب، الذين يسعون لاجراء تعديلات سريعة استعدادا للعيد، ويزداد فرح النجار حين يرى طفلا او عروسا يخرج بقطعة مضبوطة، وقد يخفض السعر احيانا لارضاء الاهالي.
ومن القصص المؤثرة التي تتذكرها ياسمين، قصة ام وصلت بثوب مهترئ من تحت الركام، وطلبت استغلاله لصناعة ملابس لطفلتيها، ففي تلك اللحظة تتحول قطعة القماش الى فرصة، والغرزة الى ستر، والتعديل الصغير الى طريق لفرحة طفل في العيد.
وفي مكان اخر، في مساحة ضيقة محاطة بالشوادر، يعمل حلاقون على كرسيين فقط وسط طابور من الزبائن، في خيمة تقام وتفك مع كل نزوح، يصنع هؤلاء الحلاقون ما يشبه الحياة الطبيعية، شاب فقد ساقه يواصل عمله، واخر يستعيد مهنته بعد ان فقد صالونه وشريكه تحت القصف.
يقف محمد ابو حسين، البالغ من العمر 20 عاما، والذي بترت قدمه اثر اصابة في قصف، معتمدا على عكازه، ويقول عن بدايات العودة الى المهنة انها كانت قاسية، لكن ارادته القوية لم تثنه عن تحقيق هدفه.
وعن العكاز، يتحدث ابو حسين بانه سنده اليومي، لكنه يحمل ساقه الاخرى مجهودا اكبر، خاصة في مواسم الاعياد، اذ يصل عدد زبائنه الى 20 زبونا يوميا، ويقضي ليلة العيد بطولها داخل الخيمة، ويقول ان التعب يشتد بعد منتصف اليوم، لكن ابتسامة طفل بعد قصة جديدة، وارتياح شاب اكتفى بالشعور بالترتيب، يعيدان اليه سببا اضافيا للصبر.
يفتح الحلاق محمد الشعراوي هاتفه ليستعرض صور صالونه القديم، الذي كان مشروع عمر وشراكة مع شقيقه نادر، قبل ان ينهدم بالكامل، وقد فقد الشعراوي المكان والشريك، ويشرح الشعراوي ان الخيمة الحالية تحمل عبئا اكبر من حجمها، فهي مساحة عمل متواضعة لاعالة عائلته وعائلة شقيقه ايضا، ويضيف انه اقام خيم حلاقة في كل منطقة نزح اليها، وهكذا صارت الحرفة صالونا متنقلا يؤمن الحد الادنى من الدخل.
يستوقف الشعراوي الحديث عن اسعار ادوات المهنة التي تغيرت كثيرا خلال الحرب، ويشرح ان ماكينة الحلاقة تجاوز سعرها 3000 شيكل، بعد ان كان سعرها سابقا 500 شيكل، ويضيف ان كل قطعة تحولت الى عبء مالي جديد على الحلاق، خصوصا مع الحاجة الى التعقيم والنظافة، ثم تاتي الكهرباء كعنصر ضاغط اضافي، حيث تصل اسعارها الى 12 دولارا للكيلو واط الواحد.
تحت سقف من الشوادر، يجلس خالد الجوجو امام ماكينة خياطة قديمة، يضع على ركبتيه قطعة قماش تحميه من احتكاك الادوات، ويقارب بيدين متعبتين تفاصيل حذاء اسود، فخالد، وهو اب لستة افراد، يرى ان القدرة الشرائية المتراجعة تدفع الناس الى الصيانة بدل الشراء، ويختصرها بارقام يراها يوميا، فالحذاء الذي يكلف 100 شيكل يعود للخدمة بـ 5 شواكل.
ادوات المهنة نفسها صارت جزءا من الحكاية، فالخيط والابرة يمران بفترات شح، ولذلك يعتمد على خيوط احتفظ بها خلال تنقلاته، ويقول المحامي معين عبد الرحمن، وهو ينتظر دوره لاصلاح حذائه، ان معظم الاحذية القادمة للصيانة تخص الكبار، فالاباء يختارون تجديد احذيتهم لتوفير الجديد لاطفالهم، وهكذا تتحول ماكينة خالد الى مساحة ستر يومية، تحمل اقتصاد بيت وفرحة طفل، ومحاولة عائلة للحفاظ على مظهر العيد حتى في اقسى الظروف.







