الصين والمعادن النادرة: بكين تحافظ على قبضتها رغم تفاهمات مع واشنطن

رغم التفاهمات الاخيرة بين الرئيس الاميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، تواصل الصين التمسك بسلاح المعادن النادرة، محققة بذلك مكسبا محدودا في هذا الملف الشائك.
وافقت بكين على معالجة نقص بعض المعادن الحيوية التي تؤثر على الصناعات الاميركية، لكن دون التخلي عن نظام الرقابة الصارم على الصادرات الذي تستخدمه ورقة ضغط استراتيجية، ووفقا لملخص نشره البيت الابيض عقب القمة، وافقت الصين على معالجة المخاوف الاميركية المرتبطة بنقص معادن حيوية تشمل الايتريوم والسكانديوم والانديوم والنيوديميوم، وهي عناصر تدخل في صناعات الطيران والرقائق الالكترونية والذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية المتقدمة.
وحذف البيان الاميركي الجديد اشارة سابقة كانت وردت بعد قمة بوسان العام الماضي، تحدثت عن التزام صيني بـ«الغاء فعلي» للقيود المفروضة على صادرات المعادن الحيوية، وعدّ مراقبون ذلك اعترافا ضمنيا من واشنطن بان نظام الرقابة الصيني «باق ولن يختفي قريبا».
وفرضت بكين القيود الحالية في ابريل ردا على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب فيما سمي حينها «تعريفات يوم التحرير»، لتتحول المعادن النادرة سريعا الى احد اخطر اسلحة الحرب التجارية والتكنولوجية بين البلدين.
وتسيطر الصين على الجزء الاكبر من الانتاج العالمي للعناصر الارضية النادرة وتقنيات معالجتها، ما يمنحها نفوذا كبيرا على الصناعات الغربية الحساسة من السيارات الكهربائية الى الطائرات والاسلحة والرقائق الالكترونية.
ورغم استمرار منح تراخيص التصدير لقطاعات مثل السيارات والالكترونيات الاستهلاكية، لا تزال الشركات الاميركية العاملة في المجالات المرتبطة بالتطبيقات العسكرية تواجه تاخيرات وصعوبات في الحصول على الامدادات.
وكشفت تقارير سابقة ان نقص الايتريوم المستخدم في الطلاء الحراري لمحركات الطائرات، والسكانديوم المستخدم في تصنيع الرقائق، الحق اضرارا مباشرة بالصناعة الاميركية ودفع شركات كبرى للضغط على البيت الابيض من اجل التدخل لدى بكين.
وبرز الانديوم للمرة الاولى بشكل واضح في البيان الاميركي، في مؤشر على تصاعد القلق داخل واشنطن بشان سلاسل توريد اشباه الموصلات المتقدمة، ويستخدم مركب «فوسفيد الانديوم» في تصنيع رقائق الفوتونيات من الجيل الجديد التي تعتمد على الضوء بدلا من الكهرباء لمعالجة البيانات، وهي تقنية تعد اساسية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل السادس والاتصالات البصرية فائقة السرعة.
ويدخل «اكسيد قصدير الانديوم» في صناعة شاشات «ال اي دي» والاجهزة الالكترونية الحديثة، ما يجعل اي اضطراب في الامدادات مصدر قلق واسعا لشركات التكنولوجيا العالمية.
واظهرت بيانات الجمارك الصينية انخفاض صادرات الانديوم عالميا بنحو الثلثين منذ فبراير بينما تراجعت الشحنات المتجهة الى الولايات المتحدة بنسبة 77 في المائة.
وتعد شركة «كوهيرنت» الاميركية احد اكبر المتضررين، اذ تستحوذ على نحو 40 في المائة من سوق مكونات فوسفيد الانديوم البصرية، بينما تواجه صعوبات تنظيمية وسياسية في الصين.
وجاء ملف المعادن النادرة في صلب قمة ترمب وشي الاخيرة ببكين، التي سبقتها مفاوضات مكثفة في كوريا الجنوبية بين وزير الخزانة الاميركي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ.
ورافق ترمب في زيارته وفد من كبار التنفيذيين الاميركيين بينهم الرئيس التنفيذي لشركة «انفيديا» جنسن هوانغ، الذي انضم الى الرحلة في اللحظات الاخيرة وسط مساع لحل مشكلات شركات التكنولوجيا الاميركية داخل السوق الصينية.
وقال ترمب قبل وصوله الى بكين انه سيطلب من شي «فتح الصين امام الشركات الاميركية»، معتبرا ذلك اولوية اساسية للقمة.
كما ناقش الجانبان ملفات الرقائق الالكترونية والقيود على معدات تصنيع اشباه الموصلات اضافة الى الحرب مع ايران والطاقة وسلاسل الامداد العالمية.
ويرى خبراء ان الاتفاقات الحالية لا تمثل اختراقا حقيقيا بقدر ما تعكس رغبة مشتركة في منع التصعيد، وقال كوري كومبس من شركة «تريفيوم تشاينا» ان «الفجوة ليست مثالية لكنها مقبولة»، مضيفا ان الاهم هو ان الطرفين اظهرا اهتماما واضحا بالاستقرار وايصال هذه الرسالة الى الداخل في البلدين.
ويرى مراقبون ان واشنطن تدخل هذه المرحلة من موقع اضعف نسبيا مع الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب مع ايران وارتفاع التضخم واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس مقابل وضع صيني اكثر استقرارا سياسيا.
وتبدو بكين حريصة على الحفاظ على نفوذها في ملف المعادن النادرة دون تقديم تنازلات جوهرية، ما يعني ان الصراع التكنولوجي والاقتصادي بين القوتين سيبقى مفتوحا حتى مع استمرار الحوار السياسي بينهما.







