أزمة في سامسونغ: هل يعطل إضراب العمال طفرة الذكاء الاصطناعي؟

تتجه الأنظار نحو سيول حيث يعقد عملاق التكنولوجيا سامسونغ الكترونيكس والاتحاد العمالي اجتماعا حاسما يوصف بانه الفرصة الاخيرة لنزع فتيل ازمة اضراب مرتقب يهدد بوقف شريان الحياة عن قطاع الرقائق العالمي.
وتاتي هذه المفاوضات المصيرية بعدما وجه رئيس الوزراء الكوري الجنوبي كيم مين سيوك خطابا الى الامة حذر فيه من تداعيات كارثية وغير متوقعة على الاقتصاد الوطني في حال فشل الطرفان في التوصل الى اتفاق قبل المهلة النهائية المحددة والتي يعتزم بعدها نحو 45 الف عامل تنظيم اضراب شامل عن العمل لمدة 18 يوما.
وعكست التصريحات الرسمية حالة الذعر الصامت في اروقة صنع القرار السياسي في كوريا اذ تشير التقديرات الحكومية الى ان توقف مصانع رقائق سامسونغ سيكلف الاقتصاد خسائر مباشرة تصل الى تريليون وون عن كل يوم اضراب.
ولوح رئيس الوزراء كيم مين سيوك باحتمالية لجوء الحكومة الى الصلاحيات والاستثناءات القانونية الطارئة لمنع الاضراب وحماية الاقتصاد الوطني في حال انهيار المفاوضات مؤكدا ان الدولة ستتخذ التدابير المتاحة كافة للحيلولة دون شلل هذا القطاع الحيوي.
وقدم رئيس مجلس ادارة سامسونغ جاي واي لي اعتذارا علنيا نادرا فور عودته من رحلة خارجية داعيا العمال الى التكاتف قائلا اعضاء الاتحاد العمالي وعائلة سامسونغ نحن جسد واحد وعائلة واحدة وعلينا جمع نقاط قوتنا بحكمة للتحرك في اتجاه واحد.
وتاتي هذه الاضطرابات العمالية في وقت تشهد فيه ارباح قطاع اشباه الموصلات في سامسونغ قفزة صاروخية مدفوعة بالطلب العالمي الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتتمحور نقطة الخلاف الجوهرية حول رغبة العمال في ربط جهودهم بهذه الطفرة وتعديل هيكل الاجور بشكل دائم ويتلخص المشهد التفاوضي في نقطتين:
- مطالب الاتحاد العمالي: يطالب الاتحاد بتخصيص 15 في المائة من الارباح التشغيلية السنوية حوافز ومكافات للموظفين والغاء الحد الاقصى الحالي للمكافات الى جانب اقرار زيادة عامة في الاجور بنسبة 7 في المائة وتثبيت هذه البنود قانونيا في عقود العمل.
- عرض ادارة سامسونغ: اقترحت الادارة تخصيص نحو 13 في المائة من الارباح التشغيلية ولكن في صورة حزمة تعويضات استثنائية تمنح لمرة واحدة فقط لعام 2026 مع رفض اجراء تغييرات هيكلية دائمة في العقود بدعوى ان مطالب الاتحاد يصعب استدامتها ماليا على المدى الطويل.
ويستند العمال في ضغوطهم الى المقارنة مع غريمهم التقليدي شركة اس كي هاينكس التي سوت نزاعها العمالي عبر تخصيص 10 في المائة من ارباحها التشغيلية السنوية حوافز لموظفيها على مدى العقد المقبل دون قيود مما ادى الى هجرة نحو 200 مهندس وموظف من سامسونغ الى هاينكس خلال الاشهر الـ4 الماضية فقط بسبب تدني الحوافز في سامسونغ خلال فترة الركود السابقة.
ولا تقتصر ابعاد هذا الاضراب على الحدود الكورية بل تمتد لتضرب عمق قطاع التكنولوجيا العالمي فبينما يتركز الاهتمام العالمي عادة على وحدات معالجة الرسومات من شركة انفيديا فان هذه الوحدات تصبح بلا قيمة دون رقائق الذاكرة العشوائية عالية النطاق وذاكرة الوصول العشوائي المتطورة التي تصنعها سامسونغ.
وتستحوذ سامسونغ بمفردها على نحو ثلث السوق العالمية لذاكرة الـ وتسيطر بالتعاون مع اس كي هاينكس على ثلثي السوق العالمية وهما يمثلان مع شركة ميكرون الاميركية الثلاثي الوحيد في العالم القادر على انتاج ذاكرة الذكاء الاصطناعي المتطورة.
ووفقا للبيانات تمتلك سامسونغ 12 خط انتاج عملاقا وتستثمر 73 مليار دولار في البحث والتطوير هذا العام وحده وبالتالي فان خروج 45 الف عامل في اضراب لمدة 18 يوما سيمثل اكبر توقف عن العمل في تاريخ صناعة اشباه الموصلات وفي اكثر النقاط حرجا لطفرة الذكاء الاصطناعي.
وتتحسب شركة سامسونغ للسيناريو الاسوأ اذ اظهر اضراب تجريبي رمزي ليوم واحد في وقت سابق تراجع انتاج مسبك اشباه الموصلات بنسبة 58 في المائة وانتاج الذاكرة بنسبة 18 في المائة خلال تلك الوردية المحددة.
اما في حال تنفيذ الاضراب الكامل لمدة 18 يوما فان تقديرات الصناعة تشير الى احتمالية تكبد خسائر تتراوح بين 30 و100 تريليون وون ونتيجة لذلك بدات الشركة بالفعل في اجراءات التبريد التدريجي لحجم الانتاج وتقليل ادخال رقاقات السيليكون نظرا لان ايقاف تصنيع الرقائق في منتصف العملية يعني اتلاف رقاقات تكلف الواحدة منها 20 الف دولار.
وياتي خطر الاضراب في وقت حساس للغاية لـ سامسونغ التي تكافح لاستعادة ريادتها الكاملة ففي الربع الاول من العام الماضي انتزعت اس كي هاينكس صدارة سوق الـ عالميا للمرة الاولى منذ 33 عاما بفضل هيمنتها على ذاكرة الذكاء الاصطناعي واستحوذت على 62 في المائة من سوق مقابل 17 في المائة فقط لـ سامسونغ التي عانت رقاقاتها لاجتياز اختبارات الجودة الفنية لشركة انفيديا.
ورغم ان سامسونغ نجحت في استعادة الصدارة في اواخر عام 2025 بعد بدء شحن رقاقاتها لـ انفيديا ونجاح الجيل الجديد الذي بدا انتاجه التجاري في فبراير الماضي وبيعت حصته الانتاجية لعام 2026 بالكامل فان الاضراب قد يجهض مسار هذا التعافي ويمنح الافضلية للمنافسين.
ويقدر المحللون في جي بي مورغان انه في حال تلبية مطالب الاتحاد بالكامل فان الارباح التشغيلية لـ سامسونغ لعام 2026 ستتراجع بنسبة تتراوح بين 7 في المائة و12 في المائة نتيجة ارتفاع التكاليف العمالية بالاضافة الى خسارة في الايرادات تصل الى 4 تريليونات وون جراء توقف الانتاج.
وتتزامن هذه الضغوط مع استغلال سامسونغ للطلب المرتفع لفرض شروطها في الاسواق حيث كشفت تقارير عن ان الشركة طالبت شركة ابل بزيادة سعرية تصل الى 100 في المائة لتامين رقائق الذاكرة لهواتف ايفون 17 المقابلة وهو الطلب الذي وافقت عليه ابل فورا لتامين احتياجاتها مما يعكس مدى التنافس الشديد وحاجة السوق الماسة لانتاج سامسونغ الذي يهدده الاضراب الحالي.







