في يوم حرية الصحافة: قصص أسر واعتقال صحفيين فلسطينيين تتصدر المشهد

بينما يسطرون بعدساتهم وأقلامهم حكايات الناس ومعاناتهم، تحول الصحفيون الفلسطينيون إلى حكايات تروى، تطالب العالم بالوقوف إلى جانبهم بعد أن أثقلهم الاحتلال الإسرائيلي بالاعتقال والقتل والملاحقة.
وبينما يحتفل العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، تظل قصة الصحفيين الأسيرين محمد أبو ثابت وحازم ناصر شاهدة على ملاحقة الاحتلال للصحفيين الفلسطينيين وتغييبهم خلف القضبان، وسط تعذيب وقهر يطال عائلاتهم وأطفالهم.
في بلدة بيت دجن قرب نابلس، تجلس نوال أبو ثابت تلاعب أطفال نجلها محمد، محاولة تخفيف غياب والدهم، وتقول: "محمد ترك إرثا وحملا ثقيلا؛ 5 أولاد، ونسأل الله أن يعيننا".
وتبين أن الفراغ الذي خلفه محمد كان قاسيا على العائلة، حيث تقول: "أنا أفتقده جدا، ويقهرني غيابه جدا"، وأصبحت أقصى أمانيها أن تحتضنه وتسمع عنه أي خبر، فهي كآلاف الأمهات يتلقفن الأخبار من الأسرى المحررين، في ظل منع الاحتلال زيارة المحامين وأي وسيلة اتصال بهم.
واضافت الوالدة: "مرة يقولون (الأسرى المفرج عنهم) لنا إنه في سجن مجدو، ومرة في سجن عوفر"، فيما يبقى مسلسل التحقيق والعرض على المحاكم مأساة أخرى تعيشها العائلة.
وكشفت في 10 فبراير/شباط الماضي، أن الاحتلال اعتقل الصحفي أبو ثابت من منزله في ضاحية شويكة بطولكرم، ووجه له تهما بالتحريض وأخرى تتعلق بعمله الصحفي، مؤكدة أنهم لا يريدون أحدا يوثق جرائمهم.
وأشارت إلى أن محمد سبق أن اعتقل لدى الاحتلال، وكذلك والده وأشقاؤه، وذاقوا مرارة السجن، وهو ما يخفف جانبا من المعاناة التي تعيشها الوالدة ويصبرها على لوعة الفراق.
لكن يصعب على والدة محمد سماع صوت طفله الصغير كل يوم، ذاك الوقت الذي كان يعود فيه محمد من عمله، حين يردد مع فتح باب المنزل "بابا أخذوه (اعتقلوه) الجيش وضربوه"، فتفيض عيناها حزنا وشوقا، مضيفة "كيف لا! وهو سندي في الحياة".
وبينما تسهب الأم في الحديث عن لوعة الغياب، يحاول رضوان أبو ثابت، والد محمد، تصبير نفسه بقوله: "يتهمونه بالعمل بالصحافة، وهي ليست تهمة، وهذا اعتداء على حرية التعبير والصحافة، وممنوع اعتقال الصحفيين والاعتداء عليهم، لكن نحن في واقع احتلالي مرير يطال جميع حياتنا ويكمم الأفواه".
واكد أن محمد بالنسبة لوالديه ليس أي صحفي، بل هو سندهما ودينمو العائلة الذي يفتقدونه في الحياة وفي عمله الذي أحب، وتوثيقه بهاتفه قصص معاناة الناس، والآن يدفع ضريبة الكلمة الحرة، موجها رسالة للعالم تزامنا مع اليوم العالمي لحرية الصحافة: "محمد ليس وحده، ثمة كثيرون مثله، إذا صمت العالم اليوم، فغدا لن يبقى من ينقل الحقيقة".
وما يعيشه الصحفي الأسير حازم ناصر، المعتقل منذ يوليو/تموز الماضي، لا يقل خطورة، وحالة الافتقاد التي تعيشها عائلته تتجلى في معظم أمور حياتها؛ المنزل والعمل والزوجة والطفلين.
ورغم اعتيادهم غيابه في اعتقالات عدة لدى الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة الأمن الفلسطينية، يقول عماد ناصر والد حازم، إلا أن هذا الاعتقال يبدو أصعبها، خاصة في ظل ما يتعرض له الأسرى من تعذيب وقمع ممنهج.
والأكثر صعوبة هو حال طفله الذي يرفض الاحتفال بعيد ميلاده، ويصر على أن يطفئ الشمع بحضور والده، يواصل الوالد متسائلا: "أخبروني، كيف أتعامل مع هذا الطفل؟ وكيف أقنعه وأرد على أسئلته؟".
ويتهم الأب الجهات المعنية والمؤسسات الصحفية، محليا وعالميا بعدم الاكتراث إزاء الصحفيين الأسرى، موضحا أن الصحفي الأسير حازم أصيب برصاص الاحتلال في جنين قبل 3 سنوات، ومكث طويلا في العلاج، إذ كانت إصابته خطيرة جدا.
وامام هذا المشهد جاءت رسالة والد الصحفي أكثر حدة تجاه المؤسسات الصحفية العالمية والمحلية، في هذا اليوم، وخاصة نقابة الصحفيين التي يقول إن دورها غائب، مبينا أن النظام العالمي الذي أوجد اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يحترم الصحفي ولا حتى الإنسان.
ويختزل مشهد الطفل عماد الحفيد نجل الصحفي حازم المشهد في عصفوره الحبيس داخل قفصه، والذي أطلق عليه اسم بابا، ثم حرره في السماء وسط هتافات قائلا: "هكذا أفعل، ليطلق سراح أبي مثل العصفور".
وفي بيان لمؤسسات الأسرى (نادي الأسير الفلسطيني وهيئة شؤون الأسرى) تزامنا مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، فإن سلطات الاحتلال قتلت منذ الحرب على غزة أكثر من 260 صحفيا وصحفية، ضمن جريمة قتل جماعي ممنهجة، واحتجزت ما يزيد على 240 منهم أيضا، ولا تزال تبقي على 40 منهم رهن الاعتقال، منهم 20 معتقلا إداريا ملف الاتهام سري ومدة غير محددة للاعتقال.
وفيما يواصل الاحتلال اعتقال 14 صحفيا من قطاع غزة، لا يزال صحفيان من القطاع رهن الإخفاء القسري.
ويواجه صحفيون آخرون الحبس المنزلي، فيما استشهد الصحفي مروان حرز الله في مارس/آذار الماضي داخل سجن مجدو الإسرائيلي، جراء سياسة القتل البطيء بفعل الحرمان من العلاج بحسب بيان النادي.







