من "إدارة الأزمات" إلى "صناعة الفرص" كيف نُحوّل رؤية التحديث الاقتصادي إلى واقع مستدام؟
تمتلك الأردن اليوم خارطة طريق واعدة، تتجسد في "رؤية التحديث الاقتصادي" التي تهدف إلى إحداث قفزة نوعية في النمو والرفاه خلال العقدين القادمين. إن هذا الطموح الوطني، الذي يهدف إلى استقطاب استثمارات بمليارات الدنانير وخلق مئات الآلاف من فرص العمل، ليس مجرد خطة اقتصادية، بل هو "عقد اجتماعي" جديد بين الدولة والمواطن ومع هذا الزخم الإيجابي في الرؤية، تبرز أمامنا ضرورة ملحة لتطوير "أدوات التنفيذ" لضمان ألا تبتلع عقليات الإدارة التقليدية طموحاتنا الكبرى.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجهنا ليس في "ماذا نريد؟" بل في "كيف سنصل؟". فبينما نتحرك نحو أهداف استراتيجية كبرى، لا يزال نمط التفكير الإداري في بعض القطاعات يميل نحو "رد الفعل" أو ما يعرف بسياسة "إطفاء الحرائق". نحن ننتظر وقوع المشكلة لنشرع القانون، وننتظر اشتداد الأزمة لنعدل التشريع، وهذا المسار، وإن كان يمنح شعوراً بالسيطرة المؤقتة، إلا أنه يخلق بيئة من "عدم اليقين" التي يخشاها المستثمر الذكي.
إذا نظرنا إلى مؤشرات الإنفاق الرأسمالي، نجد فجوة تتطلب وقفة تحليلية؛ فبين عامي (2019-2025)، تراوح الإنفاق الرأسمالي في الأردن ما بين 2.7% و4.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالرغم من جهود الدولة، إلا أن هذه النسب تظل دون المعدلات العالمية المستهدفة لتحقيق نمو متسارع. هذه الفجوة ليست مجرد نقص في التمويل، بل هي مؤشر على الحاجة لتعزيز "الاستقرار التشريعي"؛ فالمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز، بل يبحث عن "القدرة على التنبؤ" (Predictability) بالبيئة القانونية والضريبية لسنوات طويلة.
ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي فحسب، بل يمتد ليشمل البُعد البشريالذي يمثل المحرك الحقيقي لأي نمو؛ إن معضلة البطالة ليست مجرد أرقام اجتماعية، بل هي نزيف في رأس المال البشري؛ حيث يمثل تعطل الطاقات الشابة تكلفة فرصة بديلة (Opportunity Cost) ضخمة تتحملها الدولة والاقتصاد في كل لحظة تأخير تشريعي. وهذا النزيف لا يمكن وقفه عبر سياسات "رد الفعل" التقليدية التي تكتفي بمعالجة الآثار بعد وقوعها، بل يتطلب تحولاً جذرياً نحو "التشريع الاستباقي (Proactive Legislation) ".
نحن بحاجة إلى منظومة قانونية تسبق التطور التكنولوجي في قطاع التحول الرقمي، وتتوقع احتياجات الطاقة المتجددة، وتدير ندرة المياه قبل أن تتحول إلى أزمة أمن مائي خانقة. إن التشريع الاستباقي يعني بناء قواعد اللعبة قبل أن يبدأ اللاعبون، مما يقلل من كلف البيروقراطية ويحمي المستثمر من التغييرات المفاجئة في القوانين.
ختاماً، إن الرؤية الوطنية للأردن واضحة، وملهمة، وتمتلك كل مقومات النجاح. وما نحتاجه اليوم هو "تحديث العقلية الإدارية" لتواكب "تحديث الرؤية الاقتصادية". التحول من عقلية "التعامل مع الأزمة بعد وقوعها" إلى عقلية"الاستشراف وبناء المنظومات" ما سيجعل من اقتصادنا الأردني نموذجاً إقليمياً في الصمود والنمو، ويضمن أن تكون سنوات (2033-2053) هي العصر الذهبي للاستدامة والازدهار.







