الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية … استكمال لمسار تحديث الدولة
في المجال العام، لا تستقيم السياسة بمنطق الاعتراض الدائم، كما لا تستقيم بمنطق التأييد التلقائي. القيمة الحقيقية لأي موقف سياسي تقاس بقدرته على قراءة اتجاه القرار، وما إذا كان يخدم الدولة ومصلحتها، لا بكونه صادرا عن السلطة أو مثيرا للجدل. ومن هذه الزاوية، يبدو تأسيس الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية خطوة تستحق التأييد، ليس فقط لذاتها، بل لأنها تأتي امتدادا لمسار أوسع في تحديث الإدارة العامة وإعادة بناء أدوات الدولة.
فهذا القرار لا يمكن عزله عن مشروع التحديث الإداري الذي انخرطت فيه الدولة خلال السنوات الأخيرة، بل يمكن قراءته باعتباره استكمالا مؤسسيا لهذا المسار، ونقلا له من مستوى الرؤية والإصلاح النظري إلى مستوى البناء المؤسسي. وهذه دلالة لا ينبغي التقليل من شأنها.
لأن التحديث الإداري، في جوهره، لا يكتمل بالنصوص والتشريعات وحدها، بل يحتاج مؤسسات تنتجه وتحمله وتحوله إلى ممارسة. ومن هنا تأتي الأكاديمية بوصفها تجسيدا عمليا لفكرة التحديث، لا مجرد عنوان مضاف إلى البنية البيروقراطية.
وهذا ما يفسر أهمية النظر إلى الأكاديمية خارج القراءة التقليدية التي حصرتها بعض المواقف في إطار تغيير شكلي أو إعادة تسمية. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير.
نحن أمام انتقال من تصور قديم لدور معهد الإدارة العامة، بوصفه إطارا للتدريب الوظيفي، إلى تصور جديد يرى في بناء الكفاءات الإدارية جزءا من بناء الدولة نفسها. وهذا ليس تطويرا إداريا محدودا، بل إعادة تعريف لوظيفة الإدارة العامة في مشروع الدولة الحديثة.
فالدولة التي تستثمر في إعداد نخبها التنفيذية، وفي تطوير عقلها الإداري، لا تقوم بإجراء تنظيمي، بل تعيد ترتيب أحد مفاصل قوتها.
وهذا، في التقدير السياسي، ليس تفصيلا.
ومن هذه الزاوية أيضا، فإن الأكاديمية تمثل استمرارا لا قطيعة. فهي لا تنفصل عن الإرث الذي مثله معهد الإدارة العامة بوصفه الخلف القانوني والتنظيمي لهذا المسار، لكنها تعيد توجيه هذا الإرث نحو أفق أوسع وأكثر اتساقا مع فكرة الدولة الكفؤة القادرة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للخطوة.
ليست في إنشاء مؤسسة، بل في الإشارة التي تحملها: أن تحديث الدولة لا يكون فقط عبر تغيير السياسات، بل أيضا عبر إعادة بناء الجهاز الذي ينفذها.
ولعل ما يمنح هذه الخطوة بعدا إضافيا هو اختيار الدكتور مصطفى الحمارنة لرئاسة الأكاديمية.
هذا الاختيار، في ذاته، يحمل معنى سياسيا.
لأن الحمارنة لا يأتي من منطق الإدارة التقليدية، بل من تقليد مختلف في التفكير بالدولة، قائم على المعرفة والسياسات العامة والعقل المؤسسي. وهو ما يجعل وجوده في هذا الموقع منسجما مع طبيعة المشروع، لا مجرد تعيين إداري في مؤسسة جديدة.
في مسيرة الرجل ما يكفي لقراءة هذا المعنى. فهو من الأسماء التي ارتبطت طويلا بفكرة الإصلاح، وبإنتاج المعرفة العامة، وبمقاربات عقلانية في فهم الدولة ومؤسساتها. وهذه خلفية ليست هامشية في مؤسسة يفترض أن تضطلع بإعادة إنتاج الكفاءة الإدارية.
بل يمكن القول إن في اختياره رسالة واضحة: أن بناء الإدارة العامة ليس شأنا بيروقراطيا صرفا، بل شأن فكري ومؤسسي يحتاج قيادة تدرك معنى الدولة، لا إدارة تدير مؤسسة وحسب.
وهذا فارق جوهري.
لأن أزمة الإدارة العامة، في كثير من الأحيان، ليست أزمة أدوات فقط، بل أزمة تصورات أيضا. ومن هنا تبدو قيمة وجود شخصية مثل مصطفى الحمارنة على رأس هذا المشروع.
هو، بهذا المعنى، ليس مجرد رئيس للأكاديمية، بل جزء من فكرتها.
وهو ما يمنح المشروع، منذ البداية، قدرا من الجدية والاطمئنان.
أما تشكيل مجلس الأمناء، بما ضمه من خبرات وازنة، فيعزز هذا الاتجاه، ويؤشر إلى أن المشروع يراد له أن يبنى على معيار الكفاءة، لا على المنطق الشكلي الذي أضعف كثيرا من المؤسسات.
لكن ما يبقى أهم من كل ذلك، أن هذه الخطوة تعكس فهما متقدما لمفهوم الإصلاح ذاته.
إذ لا إصلاح إداري حقيقيا من دون مؤسسة تعيد إنتاج الكفاءة، ولا تحديثا للدولة من دون تحديث نخبها التنفيذية.
وهذا بالضبط ما تمثله الأكاديمية.
قد يكون الحكم النهائي على النتائج، كما هو الحال دائما، لكن بعض القرارات تكتسب قيمتها من اتجاهها قبل مآلاتها.
وهذا أحدها.
لأن الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية ليست فقط مؤسسة جديدة، بل حلقة متقدمة في مشروع تحديث الدولة، واختيار مصطفى الحمارنة لقيادتها ليس تفصيلا في هذا المشروع، بل جزء من منطقه.
ولهذا، فإن تأييد هذه الخطوة ليس انحيازا لقرار، بل انحياز لفكرة دولة تستثمر في كفاءتها، وتبني تحديثها من داخل مؤسساتها. وهذا، في حد ذاته، ما يستحق التأييد.







