البتروكيماويات.. مؤشر النشاط الصناعي العالمي في مهب التوترات

في أعقاب الأحداث الأخيرة التي طالت منشآت بتروكيماوية في الخليج، يواجه العالم تحديات جديدة تهدد بتعطيل سلاسل الإمداد، فالاضطرابات التي شهدتها المنطقة ستؤثر على ثقة الأسواق، نظرا لأنها تستهدف البنية التحتية التحويلية التي تعتمد عليها المصانع حول العالم.
الكثيرون قد لا يدركون أن النفط ليس مجرد وقود للمحركات، بل هو مادة خام أساسية في حياتنا اليومية، ويلعب قطاع البتروكيماويات دورا محوريا في ربط موارد الطاقة الأولية بالمنتجات النهائية المتنوعة، من عبوات الغذاء إلى الأجهزة الطبية وأجزاء السيارات والطائرات، ولهذا يعتبر هذا القطاع مؤشرا حقيقيا للنشاط الصناعي العالمي، وأي اهتزاز فيه يؤثر على سلاسل الإمداد في مختلف القارات.
وتعتمد هذه الصناعة بشكل أساسي على تحويل مشتقات النفط والغاز الطبيعي، المعروفة بـ "اللقيم"، إلى مواد أساسية مثل الإيثيلين والبروبيلين من خلال عمليات كيميائية معقدة، وتستخدم هذه المواد في تصنيع العديد من المنتجات التي نستخدمها يوميا، مما يجعل الهجمات الأخيرة خطيرة لأنها تستهدف المواد الخام التي يقوم عليها الهيكل الصناعي العالمي.
و كذلك، تتميز البتروكيماويات بأنها صناعة عابرة للحدود، حيث يتم إنتاج المواد الأساسية في مناطق مثل الخليج وأمريكا، ثم يتم شحنها إلى مراكز التصنيع الكبرى في آسيا وأوروبا، وتكمن حساسية هذا القطاع في التوترات الجيوسياسية، فأي تهديد للممرات المائية، وخاصة مضيق هرمز، يزيد من تكاليف الشحن والتأمين، ويضع الشركات أمام صعوبة الوفاء بالتزاماتها، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار مدخلات الصناعات الحيوية.
وتتركز صناعة البتروكيماويات عالميا في عدة أقطاب رئيسية، فالصين تعتبر أكبر منتج ومستهلك عالمي، وتقود النمو العالمي بتوسعاتها الهائلة، بينما تعتبر السعودية رائدة في الشرق الأوسط، وتساهم بنحو 60% من إنتاج الخليج، والولايات المتحدة تعتمد على غاز الإردواز المحلي وتكنولوجيا متطورة، مما يمنحها ميزة تنافسية في التصدير، أما الهند فتسعى للاكتفاء الذاتي، وألمانيا تقود الصناعة الأوروبية بتركيزها على الكيماويات المتخصصة، في حين تركز اليابان وكوريا الجنوبية على الكيماويات الدقيقة المرتبطة بصناعات التقنية المتقدمة والسيارات، وتتأثر إيران وقطر والكويت بالتوترات الجيوسياسية الأخيرة، والإمارات تشهد نموا في الاستثمارات البتروكيماوية، وتايوان تعتبر مركزا لتصنيع البوليمرات في جنوب شرق آسيا.
و قبل الأحداث الأخيرة، كانت التوقعات تشير إلى تعافي سوق البتروكيماويات العالمي ليصل حجمه إلى نحو 743 مليار دولار، لكن الهجمات الأخيرة حولت هذه التوقعات إلى خطط طوارئ، ووضعت الدول المستوردة في مواجهة خطر توقف الإنتاج الصناعي.
وتعتبر آسيا الأكثر تضررا من أي اضطراب في بتروكيماويات الخليج، نظرا لاعتمادها الكبير على اللقيم القادم عبر مضيق هرمز، وتعتبر اليابان وكوريا الجنوبية الأكثر هشاشة، حيث تستورد اليابان نحو 42% من حاجتها من النافتا من الخليج، وقد بدأت شركات البتروكيماويات الكورية في خفض معدلات تشغيل مصانعها، وتواجه الهند تهديدا لأمنها الغذائي بسبب اعتمادها على الأسمدة الخليجية، بينما ستواجه أوروبا ارتفاعا في أسعار المواد الخام.
و في المقابل، تخلق هذه الأزمة فرصا لقوى أخرى لتعزيز نفوذها في السوق العالمية، فالصين بتوسعاتها في القدرة الإنتاجية قد تسد الفجوة التي خلفها تعطل إمدادات الخليج، ويعتبر المنتجون الأمريكيون رابحين استراتيجيين بسبب اعتمادهم على غاز الإردواز المحلي، بينما تتحرك روسيا وبيلاروسيا لملء الفراغ في سوق الأسمدة العالمي.







