عابورة يكتب: قراءة في أزمة النخب والتحليل السياسي في الأردن
تشهد المنطقة والعالم في هذه المرحلة تحولات ترقى إلى مستوى "الزلزال الاستراتيجي"، حيث تتفكك توازنات تقليدية، وتُعاد صياغة خرائط النفوذ، خاصة في ظل تصاعد المواجهة الصهيو–أمريكية مع إيران، وهذا ينذر بإعادة تشكيل الإقليم وفق رؤى تتجاوز حدود الصراع التقليدي، وفي مثل هذه الظروف والأحداث التاريخية، تفرض على النخب الفكرية والسياسية أن تتقدم لتضطلع بدورها الطبيعي في تحليل المشهد، وتأطير الوعي العام، وصياغة قراءات استراتيجية تسترشد بها الدولة والمجتمع معًا.
غير أن المشهد الأردني يكشف مفارقة ملفتة، فبدلاً من أن تكون النخب التي تصدرت المشهد التحليلي مصدرًا للتنوير، فقد تحوّل جزء كبير منها إلى تشويش وإرباك، وهذا نتيجة أزمة بنيوية عميقة في أدوات التحليل ومنهجيته، حيث أفرز الحضور الإعلامي المكثف لما يُسمّى بـ“المحللين السياسيين والاستراتيجيين” واقعًا يعكس هشاشة معرفية واضحة، وضمورًا في القدرة على التعامل مع التعقيد الجيوسياسي، وهذا أدى إلى إنتاج خطاب أقرب إلى “الضجيج الإعلامي” منه إلى التحليل السياسي.
إن الإشكالية تكمن في تراجع البنية المعرفية التي يستند إليها هؤلاء المحللين، حيث تُبنى كثير من التحليلات على أحكام مسبقة وانطباعات ذاتية منفصلة عن الوقائع الميدانية والبيانات الدقيقة، وعند مقاربة ملفات مركبة، كبرنامج إيران النووي، أو شبكات التحالفات الإقليمية، أو موازين القوى العسكرية، نلاحظ العجز عن توظيف المصادر الموثوقة أو قراءة المؤشرات الاستراتيجية، فتأتي المخرجات سطحية ومجتزأة وعاجزة عن ملامسة جوهر الصراع، وبهذا المعنى لا يعكس الخطاب السائد نقصًا في المعلومات فحسب، بل قصورًا في آليات إنتاج المعرفة ذاتها.
وتتعمق الأزمة أكثر مع غياب أدوات التحليل المستندة على نظريات العلاقات الدولية، فأي تحليل بالضرورة عليه أن يمتلك القدرة على التمييز بين التكتيك والاستراتيجية، بين الظاهرة وبنيتها العميقة، وبين الحدث وسياقه التاريخي، غير أن ما يسود هو خطاب إنشائي، واستنتاجات مقطوعة من سياقها، تتحرك وفق مزاج اللحظة أو إيقاع التوجيهات، مما يفقد التحليل قدرته على التفسير، ويجعله عاجزًا عن بناء سيناريوهات واقعية يمكن الاستناد إليها في صناعة القرار أو توجيه الرأي العام.
ولا يمكن فصل هذا القصور المنهجي عن فجوة واضحة في استيعاب البعد الجيوسياسي والتاريخي للصراعات، ففهم سلوك أي دولة مثل إيران، لا يستقيم دون إدراك موقعها الجغرافي، وعمقها الحضاري، وتراكم علاقاتها الإقليمية والدولية، إن تجاهل تاريخ العلاقات العربية الإيرانية، ومسار تطور الملف النووي، وجذور الصراع الإيراني مع التحالف الصهيوأمريكي، يؤدي إلى تسطيح للمشهد، واختزاله في ثنائيات ساذجة تُفرغ التحليل من مضمونه الاستراتيجي، ومن هنا يتم تصوير صراعات وجودية معقدة وكأنها "مسرحية عسكرية"، أو مجرد تصفية حسابات عابرة، في حين أن الواقع يشير إلى تحولات بنيوية قد تمتد آثارها لعقود.
كذلك فإن الخلل لا يقف عند حدود الضعف المعرفي والمنهجي، بل يتجاوزه إلى انحراف خطير في طبيعة الخطاب ذاته، فقد شهدنا انتقالًا من التحليل الموضوعي إلى خطاب تعبوي مشحون بالأيديولوجيا والطائفية، حيث تمّ اختزال المواقف السياسية في ثنائيات الولاء والخيانة، ويُقدَّم العداء لإيران، في بعض الخطابات، بوصفه معيارًا للوطنية، وهذا الانزلاق لا يهدد فقط موضوعية التحليل، بل يقوّض مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، ويفتح الباب أمام تفكيك النسيج الداخلي عبر تغذية الانقسامات.
وللأسف فقد تبنى البعض من النخب ممارسات خطيرة، كالتخوين والمطالبة بسحب الجنسيات، وتحويل الخلافات في تقدير الموقف الاستراتيجي إلى اختبارات للانتماء الوطني، وهي ممارسات لا تعكس أزمة تحليل فحسب، بل أزمة وعي سياسي، إذ تجاهلت هذه النخب حقيقة جوهرية مفادها أن أي تفوق صهيو–أمريكي مطلق في المنطقة سينعكس أولًا على الأردن، أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وعليه فإن اختزال الوطنية في موقف من صراع خارجي، هو في ذاته تقويض لمفهوم الوطنية الذي يقوم أساسًا على حماية الاستقرار الداخلي وصون وحدة المجتمع.
وهنا يتجلى الخلل في العجز عن التمييز بين طبيعة الصراعات، حيث اختلط على كثير من نخب المحللين مفهوم “العدو الاستراتيجي” بمفهوم “المنافس الإقليمي”، فالمشروع الاستعماري الصهيوني والمدعوم أمريكيًا، يمثل تهديدًا وجوديًا، وهذا يختلف جوهريًا عن التنافس الطبيعي مع قوى إقليمية مثل إيران مهما بلغت حدة الخلاف معها، إن هذا الخلط، سواء كان ناتجًا عن قصور معرفي أو توجيه سياسي، يؤدي إلى تشويه بوصلة الأولويات.
إن الأردن، وبحكم موقعه الجيوسياسي، وتموضعه في قلب إقليم يعاني عدم الاستقرار، وتتقاطع فيه المصالح الدولية والإقليمية، لا يملك ترف الاستمرار في هذا النمط المرتبك من التحليل السياسي، لأن ما نشهده ليس خللًا عابرًا، بل أزمة في إنتاج المعرفة السياسية وإدارتها، ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة تأسيس فضاء تحليلي مهني يقوم على المعرفة العميقة، والمنهجية العلمية الصارمة، والاستقلالية الفكرية، بما يفضي إلى بناء نخبة تحليلية قادرة على قراءة التحولات بوعي استراتيجي، تميّز بوضوح بين العدو الوجودي والخصومة الظرفية، وتضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار أيديولوجي أو طائفي، فبدون هذا التحول الجذري، ستبقى الساحة مفتوحة أمام خطاب سطحي يفاقم الأزمة بدل أن يسهم في تفكيكها ومعالجتها.
محمد قاسم عابورة
عمان – الأردن







