الهستيريا الجماعية في زمن الحروب والأزمات: عندما يغرق العقل الجمعي في مخاوف غير عقلانية
في خضم الحروب والأزمات، كثيرًا ما نشهد ظاهرة غريبة ومألوفة في آنٍ معًا: اندفاع المواطنين إلى الأسواق لشراء كميات هائلة من المواد الغذائية والتموينية، وكأن العالم على وشك الانتهاء. الحكومات تطمئن، وتؤكد وجود مخزون استراتيجي يكفي لشهور طويلة، لكن الصورة التي ترسمها وسائل التواصل الاجتماعي والمشاهد المباشرة تحكي قصة مختلفة تمامًا. لقد كنتُ شخصيًا أحد شهود هذه الظاهرة، فعندما ذهبتُ إلى أحد الأسواق لشراء احتياجات يومية بسيطة، وجدتُ ازدحامًا خانقًا جعلني أغادر دون أن أتمكن من شراء أي شيء.
ما التفسير العلمي النفسي لهذه الظاهرة؟ ولماذا تتكرر عبر الثقافات والدول المختلفة؟ وكيف يمكن مواجهتها نفسيًا وإداريًا؟
أولًا: التفسير السيكولوجي للهستيريا الجماعية
1. غريزة البقاء والخوف من الندرة
في أوقات الأزمات، يُعاد تنشيط أقدم نظام في الدماغ البشري: الجهاز الحوفي، وتحديدًا منطقة اللوزة الدماغية المسؤولة عن الاستجابة للخوف. يتحول الإنسان من كائن عقلاني إلى كائن غريزي، حيث يصبح تأمين الموارد الأساسية (الطعام والشراب) أولوية قصوى، حتى لو كانت التهديدات غير حقيقية.
2. العدوى الاجتماعية (Social Contagion)
تشبه الهستيريا الجماعية فيروسًا نفسيًا ينتقل عبر آليات التقليد والاقتراح الجماعي. عندما يرى الفرد آخرين يندفعون للشراء، يظن أن لديهم معلومات لا يعرفها هو، فيندفع دون تفكير. هذه الظاهرة تفسرها نظرية التأثير الاجتماعي المعلوماتي — ففي حالات عدم اليقين، يعتمد الناس على سلوك الآخرين لاتخاذ القرارات.
3. الإدراك الانتقائي والتأكيد الجماعي
في الأزمات، يبحث العقل البشري عن أدوات تؤكد مخاوفه. إذا سمع الفرد خبرًا واحدًا عن نقص محتمل، فإنه يتجاهل كل التصريحات الحكومية المطمئنة، ويركز على الصورة التي تظهر رفًا فارغًا في أحد المتاجر، ثم يعيد نشرها، مما يخلق دوامة تعزيز جماعي للخوف.
4. فقدان الثقة في المؤسسات
عندما تكون الأزمة مركبة (حرب + أزمة اقتصادية + تضليل إعلامي)، تتراجع الثقة في المؤسسات الرسمية. أي تصريح حكومي يُقرأ من خلال "نظرية المؤامرة"، فيصبح التأكيد على وجود احتياطيات دليلًا على عكس ذلك في أذهان المواطنين.
5. التفكير ثنائي القطب (Black-or-White Thinking)
تحت الضغط، يختزل الدماغ الخيارات إلى "إما أن أشتري الآن أو سأموت جوعًا". يختفي التفكير الاحتمالي (مثل: قد يكون هناك نقص مؤقت، لكنه سيتحسن لاحقًا)، وتحل محله الاستعجال الوجودي.
ثانيًا: الهستيريا الجماعية — ظاهرة عالمية
لم تكن هذه الظاهرة وليدة الحرب الحالية فقط، بل هي سلوك إنساني متكرر عبر التاريخ:
• اليابان 2011: بعد زلزال وتسونامي فوكوشيما، حدثت موجة شراء هستيرية للملح واليود، رغم نفي المسؤولين وجود خطر إشعاعي فعلي.
• أمريكا 2020: مع بداية جائحة كورونا، شهدت الولايات المتحدة والدول الأوروبية اقتحامًا للأسواق لشراء ورق اللتواليت بشكل غير مسبوق، رغم أن سلاسل التوريد لم تكن مهددة بهذا الشكل.
• فنزويلا ولبنان: في فترات الانهيار الاقتصادي، تحولت الأسواق إلى ساحات معارك بسبب الخوف من اختفاء الدعم والمواد الأساسية.
هذه الأمثلة تؤكد أن الهستيريا الجماعية ليست مرتبطة بضعف حكومي بقدر ما هي استجابة بشرية نمطية لعدم اليقين الحاد.
ثالثًا: الحلول المقترحة — نفسيًا وإداريًا
أولًا: الحلول النفسية
1. الاحتراز من العدوى العاطفية:
على الفرد أن يتدرب على "العزلة النفسية المؤقتة" عن المشاهد المروعة والمتكررة، وأن يفرق بين المعلومات الرسمية الموثوقة والشائعات.
2. إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive Restructuring):
بدلًا من التفكير "سأموت إن لم أخزن الطعام"، يمكن استبداله بـ"لدي ما يكفيني لأيام، والأزمة لا تعني انقطاع الإمدادات بالكامل".
3. تعزيز الشعور بالسيطرة:
الهستيريا تنشأ من الشعور بالعجز. إعداد خطة طوارئ عقلانية (مثل: شراء كمية معقولة وعدم التخزين المفرط) يعيد للإنسان إحساسه بالتحكم.
4. التضامن الاجتماعي بدل التنافس:
حين يتحول المشهد من "كل فرد لنفسه" إلى "نتشارك الموارد"، تنخفض حدة الهلع. القصص الإيجابية عن الجيران الذين يشاركون احتياجاتهم تخفف من الهستيريا.
ثانيًا: الحلول الإدارية والإعلامية
1. الشفافية الرقمية لحظيًا:
يجب أن تظهر الحكومة المخزون الاستراتيجي عبر كاميرات مباشرة أو تطبيقات تُظهر كميات المواد في المستودعات، لأن "الرؤية" تطمئن أكثر من "التصريحات".
2. فرض حصص مؤقتة للشراء:
كثير من الدول طبقت نظام حصص فردية في أوقات الذروة (مثل: قطر خلال الحصار الخليجي)، مما قطع الطريق على التخزين المفرط وأعاد الطمأنينة.
3. الاستباق الإعلامي:
بدلًا من انتظار حدوث الازدحام ثم التعليق عليه، ينبغي نشر رسائل وقائية يومية توضح أن الأسواق معبأة، مع صور حية لكميات المخزون.
4. إشراك قادة الرأي والمؤثرين:
الناس تثق في شخصيات موثوقة خارج المؤسسة الرسمية. التواصل مع أطباء نفسيين، وأكاديميين، ومشايخ، ومؤثرين لنشر رسائل الطمأنة يحد من العدوى الجماعية.
5. تفعيل فرق الاستجابة النفسية الطارئة:
مثلما هناك فرق دفاع مدني، يجب وجود فرق للتدخل النفسي السريع في الأسواق الكبرى لنشر التوعية المباشرة وإدارة حشود الخائفين.
خاتمة
الهستيريا الجماعية في الأزمات ليست ضعفًا في الشخصية، بل هي استجابة بيولوجية ونفسية فطرية لبيئة يملؤها الغموض والتهديد. لكن وعينا بهذه الآليات هو أول دروب التحرر منها. المطلوب هو وعي فردي يقاوم العدوى العاطفية، واستجابة مؤسسية سريعة وشفافة، وإعلام يعيد بناء الثقة لا أن يهدمها. وعندما نجتمع كمجتمع على فهم أن "سلامتنا تكمن في تعاوننا لا في تخزيننا"، نكون قد حولنا لحظة الخوف إلى لحظة تلاحم.
د. تيسير شواش
أخصائي نفسي- مرخص من وزارة الصحة
مدير مركز المراد







