لغز النمو الاقتصادي المضلل لماذا يشعر الافراد بالفقر رغم ارتفاع مؤشرات الثروة

يعيش العالم اليوم حالة من الانفصام الاقتصادي الحاد حيث تشير التقارير الرسمية الى نمو مستمر في الانتاج وتطور تقني متسارع وتراكم قياسي للثروات الخاصة في حين تزداد معاناة ملايين الناس في تلبية احتياجاتهم الاساسية. يجد الفرد نفسه امام معادلة صعبة حيث ترتفع تكاليف المعيشة من ايجارات واسعار طاقة وغذاء بشكل يفوق قدرة الدخل الشخصي مما يخلق شعورا عاما بالفقر رغم الازدهار الذي تعلنه الارقام الاقتصادية الكبرى.
واوضحت التحليلات ان الناتج المحلي الاجمالي لم يعد المقياس الادق لرفاهية الشعوب كونه يركز على قيمة السلع والخدمات المنتجة دون النظر الى عدالة توزيع هذه الثمار او قدرة المواطن العادي على تحمل اعباء الحياة مثل السكن والتعليم والرعاية الصحية. واظهرت البيانات في الولايات المتحدة ان متوسط دخل الاسرة رغم وصوله لمستويات قياسية الا انه لم يحقق نموا حقيقيا يذكر مقارنة بالسنوات الماضية مما يجعل الطريق نحو تحسين مستوى المعيشة اكثر صعوبة وتعقيدا من اي وقت مضى.
وبينت التقارير ان هذه الازمة لا تقتصر على دولة بعينها بل تمتد لتشمل دول الاتحاد الاوروبي حيث قفزت اسعار المنازل واقساط الايجار بنسب كبيرة استنزفت جزءا كبيرا من دخل الاسر خاصة ذوي الدخل المحدود. واضافت المعطيات الواردة من فرنسا ان تراجع القدرة الشرائية للاسر اصبح واقعا ملموسا مع انخفاض حقيقي في الاجور مما يفسر حالة الاحباط الشعبي تجاه لغة الارقام التي لا تعكس واقع انفاق الناس اليومي على ضروريات الحياة.
وشدد الخبراء على ان مشكلة الاجور الحقيقية تظل العائق الاكبر امام الشعور بالاستقرار الاقتصادي حيث ان التضخم الذي ضرب العالم خلال السنوات الاخيرة ترك اثارا باقية في الاسعار لا تتراجع حتى مع انخفاض معدلات التضخم. وكشفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان نمو الاجور الحقيقية لا يزال دون المستويات المطلوبة لتعويض التضخم التراكمي مما يضع المواطن في مواجهة مستمرة مع غلاء الاسعار الذي اصبح سمة دائمة رغم تباطؤ وتيرة ارتفاعه.
واكدت التجارب الدولية كما في الحالة اللبنانية ان الانهيار المالي والنقدي يضرب في عمق الامان الاجتماعي حيث تتقلص قدرة الافراد على تأمين متطلبات الحياة الاساسية. واشار صندوق النقد الدولي الى ان الازمات الامنية والاقتصادية المتقاطعة تزيد من حدة التضخم وتؤدي الى تآكل مدخرات الناس ومستوى معيشتهم بشكل مباشر ومؤلم.
وخلص التحليل الى ان البشرية بحاجة ماسة الى مؤشرات جديدة لقياس الامان الاقتصادي تتجاوز حدود الناتج المحلي الاجمالي وتركز على من يستفيد فعليا من هذا النمو. واضاف ان الاقتصاد الحقيقي هو ما يستطيع الانسان شراءه وادخاره وشعوره بالاطمئنان تجاه المستقبل. وبينت النتائج ان النمو الذي لا يلامس حياة الطبقة الوسطى يمثل خطرا داهما على استقرار المجتمعات والديمقراطيات حيث يؤدي غياب العدالة في توزيع المكتسبات الى زعزعة الثقة في النظام الاقتصادي برمته.







