مواجهة صدمة الطاقة والذكاء الاصطناعي ترسم ملامح الاقتصاد العالمي الجديد

أظهرت أحدث تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود في وجه التوترات الجيوسياسية الراهنة، معتمدة في ذلك على طفرة الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي التي لعبت دور المحرك الرئيسي للنمو في كبرى الاقتصادات الدولية، رغم التحذيرات الجادة من أن صدمة الطاقة باتت تشكل تهديدا هيكليا قد يلقي بظلاله على معدلات النمو والتضخم خلال الفترة المقبلة.
واوضحت المنظمة في تحديثها الدوري أن توقعات نمو الاقتصاد العالمي لعام 2026 تم رفعها لتصل إلى 2.9 في المائة، بينما تم تعديل التوقعات الخاصة بعام 2027 لتستقر عند 3 في المائة، وهو ما يعكس حالة من التباين في الأداء الاقتصادي العالمي الذي يتجه نحو تباطؤ تدريجي مقارنة بالعام الماضي، حيث لا تزال الأسواق تحاول استيعاب تبعات تقلبات أسعار السلع الأولية.
واكدت البيانات أن قطاع التكنولوجيا وتحديدا مراكز البيانات وأشباه الموصلات كان الركيزة الأساسية التي دعمت الاقتصاد الأمريكي وعززت الصادرات التكنولوجية لدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مبينا أن هذا الزخم الاستثماري ساهم في تعويض جانب من ضعف الطلب الاستهلاكي في بعض المناطق، إلا أن المنظمة نبهت إلى أن هذه القوة قد لا تكفي بمفردها لمواجهة تضافر مخاطر اضطراب أسواق الطاقة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض العالمي.
واضافت المنظمة أن صدمة الطاقة أصبحت عاملا مؤثرا بقوة في قرارات البنوك المركزية التي تجد نفسها أمام خيارات صعبة، حيث قد تضطر إلى إعادة النظر في مسارات أسعار الفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية في التصاعد، مشيرة إلى أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى مستويات تاريخية يزيد من الأعباء المالية على الحكومات التي تعاني بالفعل من مستويات مرتفعة في الدين العام.
وشددت المنظمة في توصياتها على ضرورة أن تعمل الحكومات على تحسين كفاءة الإنفاق العام وإعادة توجيه الموارد لتعزيز الإيرادات، وذلك لضمان استدامة المالية العامة وقدرة الدول على مواجهة الصدمات المفاجئة، موضحة أن التوقعات تشير إلى أن التضخم في دول مجموعة العشرين سيظل مرتفعا قبل أن يبدأ في مسار تنازلي بطيء خلال العامين المقبلين.
وبينت التوقعات الخاصة بالمملكة العربية السعودية حدوث ارتداد إيجابي للنمو الاقتصادي في عام 2027 ليصل إلى 4.1 في المائة بعد انكماش متوقع في العام السابق، مع الحفاظ على مستويات تضخم منخفضة ومستقرة مقارنة ببقية دول مجموعة العشرين، مما يعكس متانة السياسات الاقتصادية المحلية في مواجهة التقلبات الدولية.
وكشفت التحليلات أن الاقتصادات الكبرى تشهد تفاوتا في الأداء، حيث رفعت المنظمة توقعات النمو للولايات المتحدة وبريطانيا بشكل طفيف، بينما أبقت على تقديراتها للاقتصاد الصيني دون تغيير يذكر، في حين تواجه منطقة اليورو ضغوطا مستمرة ناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة والحاجة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، مما يضع صناع السياسات أمام تحديات معقدة لتحقيق توازن بين التنمية والسيطرة على الأسعار.






