ما تأثير خمس دقائق من التأمل يومياً على الصحة النفسية والجسدية؟

في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة، ويغلب عليه الاتصال الرقمي الدائم، بات كثير من الناس أسرى للضجيج الذهني وسيلٍ لا ينقطع من الأفكار والقلق. فالعقل الحديث نادراً ما يحصل على لحظة صمت حقيقية، إذ تقضي الغالبية العظمى من ساعات اليقظة غارقة في التفكير والتحليل، إلى حدّ يصعب معه إدراك هذا الاضطراب الداخلي أو التوقف عنه.
وتشير الباحثة والمحاضِرة في علم النفس الثقافي ماريانا بوغوسيان، في مقال نشرته على موقع Psychology Today، إلى أن محاولة الجلوس للتأمل لبضع دقائق فقط تكشف بسرعة مدى سيطرة الأفكار على وعينا. وتصف هذا النشاط الذهني المتواصل بما يُعرف في الفلسفة البوذية بـ**"عقل القرد"**، أي العقل القلق الذي يقفز باستمرار من فكرة إلى أخرى دون استقرار.
وتدعم دراسات علمية هذا الطرح، إذ تشير إلى أن الإنسان قد يمرّ بأكثر من ستة آلاف فكرة يومياً، وهو ما يفسّر شعور التوتر الذهني المزمن والإرهاق النفسي الذي يعانيه كثيرون.
أمام هذا الصخب الداخلي، لم يعد التأمل يُنظر إليه كممارسة روحية غامضة أو بعيدة عن الواقع، بل كأداة مدعومة بأدلة علمية متزايدة تُظهر تأثيره الإيجابي في الصحة النفسية والجسدية، حتى عند ممارسته لفترات قصيرة جداً.
ما هو التأمل؟
تعرّف مدرّبة التأمل نادين رضا التأمل بأنه تمرين ذهني يهدف إلى تدريب الانتباه وتعزيز الوعي، والحد من ردود الفعل الاندفاعية تجاه الأفكار والمشاعر السلبية العابرة.
وترى رضا أن جوهر التأمل لا يكمن في محاولة إيقاف التفكير أو تحقيق إنجاز معيّن، بل في إبطاء إيقاع الحياة ولو لبضع دقائق، من خلال الجلوس مع الذات ومراقبة الأفكار والمشاعر دون حكم أو مقاومة.
وتوضح أن هذا النوع من التركيز الواعي يُحدث تغيرات تدريجية في الجسم والعقل؛ إذ يهدأ النشاط الذهني، وتتباطأ المشاعر، وتنتظم ضربات القلب، ويصبح التنفس أعمق وأكثر هدوءاً، ليبدأ الإحساس بالسكينة في الظهور.
ماذا تفعل خمس دقائق فقط؟
رغم بساطة المدة، فإن خمس دقائق يومياً من التأمل قد تكون كافية لإحداث فرق ملحوظ على المدى المتوسط، حيث:
تقلّ حدة التوتر والقلق
يتحسّن التركيز والانتباه
يصبح الشخص أقل اندفاعاً في ردود أفعاله
يزداد الوعي بالمشاعر قبل الانجراف وراءها
يتحسّن الإحساس العام بالهدوء الداخلي
ومع الاستمرار في الممارسة، ينعكس هذا الهدوء داخلياً وخارجياً، فيتعامل الشخص مع ضغوط الحياة اليومية بقدر أكبر من التوازن، ويصبح أكثر قدرة على الاستجابة للأحداث بدل التفاعل العاطفي السريع معها.
في عالم يطالبنا بالسرعة الدائمة، قد تكون خمس دقائق من التأمل يومياً واحدة من أبسط وأقوى الوسائل لاستعادة شيء من الهدوء المفقود.







