جدل قانون العفو العام في لبنان بين طموح المصالحة ومخاوف الافلات من العقاب

شكل اقرار البرلمان اللبناني لقانون العفو العام الاخير محطة مفصلية في مسار العدالة والاصلاح القضائي، حيث جاءت الخطوة لتفتح الباب امام نقاشات واسعة حول قدرة الدولة على الموازنة بين انصاف الموقوفين الذين طال انتظارهم وبين ضرورة عدم تحويل العفو الى مظلة تحمي المتورطين في جرائم تمس امن المجتمع واستقراره. واظهرت ردود الفعل السياسية تباينا واضحا حول بنود القانون، خاصة مع بروز اعتراضات من قوى نيابية وصفت الصيغة النهائية بانها تفتقر الى التوازن وتتسم بصبغة طائفية ومذهبية، مما يعكس تعقيدات المشهد السياسي اللبناني في التعامل مع ملفات شائكة كهذه.
وبينت النصوص القانونية ان المشرع حرص على وضع خطوط حمراء امام جرائم بعينها، مستثنيا قضايا المخدرات والقتل العمد والارهاب وجرائم التعامل مع العدو من دائرة العفو، وهو ما اعتبره مراقبون ضرورة لحماية هيبة الدولة ومنع تكرار الممارسات التي ادت سابقا الى عزلة لبنان عن محيطه العربي. واكدت المراجع القانونية ان هذا التوجه يعكس رغبة في عدم التفريط بالحق العام، خاصة في القضايا التي تمس حياة المواطنين وسلامتهم، مشددة على ان الاستثناءات هي التي تمنح القانون شرعيته في تحقيق حد ادنى من العدالة المطلوبة.
واوضح النائب غازي زعيتر في سياق تعليقه على القانون ان الفلسفة التي كان يجب ان يقوم عليها العفو هي الشمولية لطي صفحة الماضي، معتبرا ان استثناء قضايا المخدرات يظلم فئات اجتماعية واسعة في البقاع تعاني من تبعات تراكمية تعود لعقود، ومشيرا الى ان الاعتماد على بيانات الهواتف في الملاحقات القضائية ادى الى تضخم الملفات بشكل غير عادل. واضاف ان الكثير من المطلوبين يجدون انفسهم امام احكام غيابية بسبب تخوفهم من التوقيف، مما يعزز الحاجة الى نظرة اجتماعية اكثر شمولية تراعي الواقع الجغرافي والاقتصادي للمناطق المهمشة.
وكشفت تفاصيل القانون عن بقاء جرائم الفساد والاثراء غير المشروع والاعتداءات على الاموال العامة والجرائم المصرفية خارج نطاق العفو، وهو ما يعزز ثقة الشارع في ان الدولة لا تزال متمسكة بمحاسبة من تسببوا في انهيار الاقتصاد وتبديد اموال المودعين. واظهرت النتائج ان اسماء بارزة في ملفات الارهاب والاعتداءات الامنية ستخضع لتخفيضات محددة وفق معايير قانونية دقيقة، بينما سيبقى اخرون مثل حاكم مصرف لبنان السابق وتجار المخدرات الخطرين تحت طائلة الملاحقة القانونية الكاملة، مؤكدة ان القانون في جوهره هو محاولة لتنظيم ملفات السجون بعيدا عن العشوائية.
وشدد خبراء القانون على ان نجاح هذه الخطوة التشريعية سيعتمد بشكل كبير على كيفية تطبيق النصوص وروحيتها في المحاكم، خاصة في ظل وجود ثغرات قد تفتح الباب لاجتهادات قضائية مطولة حول الجرائم المتشابهة. واشاروا الى ان التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا القانون الى اداة لتعزيز الاستقرار الاجتماعي وضمان عدم تكرار الاخطاء، مع الحفاظ على التوازن الدقيق الذي يمنع الافلات من العقاب ويحفظ حقوق الضحايا في القضايا الجسيمة.







