غزة تستقبل العيد بقلوب مثقلة: لا اضاحي ولا فرحة في المخيمات

بين ركام الذكريات وواقع الخيام، يستقبل اهالي غزة عيد الاضحى هذا العام بقلوب مثقلة بالاحزان والفقد، فبعد سنوات من التجمعات العائلية والاحتفالات المبهجة، يحل العيد اليوم بظلال قاتمة تخيم على القطاع المحاصر.
كانت عائلة بارود، كما يروي ولاء بارود، تتجمع في موكب من المركبات، تجوب شوارع مخيم الشاطئ، وتتبادل الزيارات مع الاقارب، وتتقاسم الاضحية، لكن اليوم، يجلس ولاء امام صورة قديمة، يتذكر بها زمنا مضى، حيث فقد اكثر من نصف عائلته في الحرب الاخيرة.
يقول ولاء للجزيرة نت "لم تتوقف الحرب عن التهام احبتنا، ولم نتوقع ابدا ان نفتح عزاء في هدنة"، ويضيف "نحن عالقون بين زمنين وغارقون في الذكريات الموجعة".
وبينما يعيش ولاء وعائلته مرارة الفقد، تقضي الحاجة شمعة الزوربتلي العيد في خيمة على الرصيف، بعد ان فقدت زوجها ومنزلها، وقالت شمعة بتعجب "العيد لا يدخل الخيام يا بنتي".
فالحياة داخل الخيمة تعني العزلة والانقطاع عن العالم، حتى انها لم تعد تعرف الايام او المناسبات، وعندما عرضت عليها مراسلة الجزيرة نت مقطعا مصورا لحجاج بيت الله الحرام، لم تتمالك دموعها وقالت "لم ادخل بيت الله يوما، امنيتي ان احج! لكن اي حج هذا وانا مش لاقية اكل!".
واضافت الحاجة شمعة وهي تستعيد ذكريات العيد في حي الشجاعية "اليوم يمر العيد بلا بهجة وبفائض من الفقد والحزن".
وفي خيمة مجاورة، يجلس العجوز محمد عبيد على كرسي متحرك، وقد بترت قدماه، يحمل بين يديه مصحفا، ويقول "كنت عزيزا، املك بيتا من اربعة طوابق في حي الشجاعية، واتحرك بين الناس بثقة رجل اعتاد الوفرة".
وبين ان الحرب غيرت كل شيء، فقد استشهدت زوجته، وبترت قدماه، واصبح يقيم داخل خيمة لم يكن يتخيل يوما ان تكون اخر ما تبقى من حياته، ويتحسر قائلا "لقد طحنتنا الحرب، كنت اذبح الاضاحي واوزعها على الجيران في الشجاعية، اليوم الناس هي التي توزع وتتصدق علي".
واكد منسق مشاريع الاضاحي في مؤسسة "رؤية" الخيرية كرم خالد للجزيرة نت ان موسم الاضاحي في غزة هذا العام متوقف بالكامل، مع اغلاق المعابر وشح المواشي وارتفاع اسعارها بشكل جنوني وغير مسبوق.
واشار الى ان سعر الخروف داخل السوق المحلي قفز الى ما بين 4500 و6000 دولار، مقارنة بنحو 350 دولارا قبل الحرب، وبين ان اغلاق المعابر وتقييد التحويلات المالية القادمة من الخارج زاد من تعقيد المشهد.
ونتيجة لذلك، اتجهت المؤسسة الى بديل اضطراري يتمثل في توزيع اللحوم المجمدة بدل الاضاحي الحية، رغم ارتفاع تكلفتها، حيث جرى تخصيص نحو 10 اطنان من اللحوم لتوزيعها على الاسر خلال ايام العيد.
وفي السوق، اوضح تاجر اللحوم محمد النجار للجزيرة نت ان الاقبال على الاضاحي الحية تراجع بشكل كبير، مقابل اعتماد متزايد من قبل المؤسسات والجمعيات على اللحوم المجمدة كمصدر بديل للتوزيع خلال العيد.
واضاف النجار ان نحو 80% من اللحوم المجمدة المتوفرة في السوق مصدرها اسرائيل، وغالبا ما تكون من منشا ارجنتيني او اوروغوياني، بينما ياتي نحو 20% من مصر على شكل قطع كبيرة قد تصل الى 5 كيلوغرامات، وتعود اصولها في الغالب الى البرازيل.
وفي موازاة تراجع الاضاحي، ينعكس المشهد ذاته على حركة الاسواق التي بدت هذا الموسم اكثر خفوتا من اي وقت مضى، مع تراجع واضح في القدرة الشرائية لدى المواطنين، وانحسار مظاهر الاستعدادات التقليدية للعيد.
يقول التاجر امجد اكرم وهو صاحب محل لبيع الملابس المخصصة للاطفال في حي الرمال: "ان ادخال البضائع الى قطاع غزة اصبح مكلفا بشكل غير مسبوق، ما انعكس مباشرة على اسعار الملابس في الاسواق".
واشار اكرم الى ان القدرة الشرائية لدى المواطنين تراجعت بشكل حاد، في ظل اولويات مختلفة باتت تتركز على تامين الغذاء والاحتياجات الاساسية اكثر من شراء الملابس، ويضيف "يدخل الزبائن للاستفسار عن الاسعار فقط، ثم يغادرون في حالة صدمة من الارتفاع، دون اتمام عمليات الشراء".
وهكذا يمر عيد الاضحى الاول منذ وقف اطلاق النار في غزة، بلا مشهد واحد مكتمل للفرح، ولا تفصيل واحد ينبه الى قدوم العيد، سوى اصوات التكبيرات التي تنبعث من مخيمات اللجوء او من سيارات تجوب شوارع المدينة بمكبرات الصوت.
وختاما، يبقى اهالي غزة غارقين في فقر مدقع وفقد لا يتوقف، وفي محاولاتهم الشاقة لترميم حياة محطمة، ابادت اسرائيل ملامحها على مدار عامين كاملين.







