موائد العيد العربية.. تحولات في الطعم والنكهة بسبب التضخم والنزاعات

تعتبر الأعياد في الذاكرة العربية مرتبطة ارتباطا وثيقا بأطباق تقليدية، فالفتة تتصدر مائدة عيد الأضحى في مصر، والمنسف في الأردن، والمكبوس في الخليج، والقوزي في العراق، وهي أطباق تحمل في طياتها بهجة العيد وطقوس التجمع العائلي.
في الماضي، كانت الذبيحة متوفرة في كل بيت تقريبا، وكان للجميع نصيب من اللحم، وكانت الموائد ممتدة والبيوت مفتوحة للأقارب والجيران، إلا أن هذه الصورة تبدو اليوم بعيدة عن واقع العديد من الأسر العربية، حيث فرضت الحروب والتضخم وضيق الوقت شروطا جديدة على ما يتم طهيه في المطابخ، ورغم أن أسماء الأطباق قد ظلت كما هي، إلا أن مكوناتها وكمياتها وطرق إعدادها قد تغيرت بشكل واضح.
وأدت زيادة تكاليف الأعلاف والنقل والطاقة والرعاية البيطرية، بالإضافة إلى تأثير الحروب والتوترات الإقليمية على الاستيراد والشحن، إلى ارتفاع كبير في أسعار الأضاحي واللحوم، ولم يعد حضور اللحم بكميات وفيرة على موائد العيد أمرا بديهيا في العديد من البيوت.
ومع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تغير سلوك الأسر، فبعض العائلات تلجأ إلى أضاح أصغر، أو تشترك مع الجيران والأقارب في أضحية واحدة، أو تؤجل الشراء إلى الأيام الأخيرة أملا في انخفاض الأسعار، كما ترصد تقارير صحفية عربية أوضاع أسواق الأضاحي قبل العيد في أكثر من دولة.
لا تغير الحروب الخرائط السياسية وحدها، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومنها الطعام وطقوس إعداده، ويتجلى ذلك في مكونات أطباق العيد التقليدية في السنوات الأخيرة، مع تحول الحروب والنزوح والتضخم إلى مفردات يومية في حياة ملايين العرب.
وارتفاع أسعار الوقود وإغلاق الطرق وتعطل الزراعة واضطراب سلاسل الشحن، كلها عوامل تضرب سلة الغذاء مباشرة، وقد حذر برنامج الأغذية العالمي من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي إذا استمرت النزاعات وارتفعت أسعار النفط، في تحذير يعكس هشاشة الأمن الغذائي في المنطقة.
ووفق تقارير برنامج الأغذية العالمي، فإن ارتفاع أسعار الغذاء العالمي وانهيار العملات وتراجع الدخول، إلى جانب الصراعات وتداعيات المناخ، كلها عوامل تهدد الأمن الغذائي في معظم الدول العربية، التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات الغذائية وتتأثر بشدة بتقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، فضلا عن الجفاف وتراجع الإنتاج المحلي.
في مثل هذه السياقات، يصبح السؤال في بعض البيوت أقل عن "أطباق العيد" وأكثر عن "إمكانية توفير الطعام اليومي".
ومع تزايد أعداد النازحين واللاجئين وتشتت العائلات، يأخذ طعام العيد معنى آخر، إذ يصبح محاولة أخيرة للتشبث بالمعنى والهوية رغم غياب مطبخ البيت، ففي المنافي، يحمل طبق تقليدي واحد ذاكرة كاملة، ينقلها الآباء إلى جيل ولد بعيدا عن البلد الأم، فلم يعرفها إلا عبر الحكايات والطعام.
لا تقتصر أسباب التغير على الحروب وحدها، ففي بلدان مستقرة أمنيا انعكس الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء على موائد العيد، وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إلى أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي واصل الارتفاع لعدة أشهر متتالية حتى أبريل، مدفوعا خصوصا بارتفاع أسعار الزيوت النباتية التي سجلت أعلى مستوياتها منذ يوليو 2022، وهو ما يزيد الكلفة على الأسر خاصة في مواسم الأعياد التي تكثر فيها الحلويات والأطباق المعتمدة على السمن والزيت.
ومع ارتفاع أسعار المكونات وتراجع القدرة الشرائية، بقيت الأطباق التقليدية حاضرة بالاسم، لكن مكوناتها وكمياتها تغيرت تبعا لإمكانات كل أسرة.
- في بعض البيوت تقل كمية اللحم في طبق الفتة، وفي أخرى يغيب اللحم تماما ويكتفى بالمرق لإضفاء النكهة.
- حشوات المكسرات اختفت من كعك العيد لصالح حشوات أرخص مثل الفول السوداني والعجوة.
- ظهرت في بعض الأسواق خلطات معتمدة على بروتين الصويا لزيادة حجم اللحم المفروم، كي تبقى صينية الرقاق أو المحاشي حاضرة بكمية أقل من اللحم.
في المقابل، ابتعدت كثير من الأسر عن الولائم الكبيرة، وظهرت صيغ "الإعداد المشترك" للوليمة، حيث تعد كل أسرة صنفا واحدا وتلتقي الأسر لتناول الطعام معا، في محاولة للحفاظ على "لمة العائلة" وإن بتكلفة أقل.
لا تتحرك المائدة وفق الظروف الاقتصادية فقط، فالوقت نفسه أصبح عملة نادرة، فالعديد من الأطباق التقليدية يحتاج ساعات طويلة من الإعداد والعمل الجماعي، حيث تجتمع نساء العائلة والجارات لإعداد صواني الكعك والمعمول أو تنظيف الذبائح أو إعداد طناجر الكسكس والطواجن.
وكان إعداد طعام العيد جزءا من شبكة اجتماعية وعائلية ممتدة، إلا أن نمط الحياة قد تغير اليوم، فاتسعت المدن أفقيا، وانفصلت الأسر الصغيرة عن العائلة الكبرى، وزادت مشاركة النساء في سوق العمل، بينما بقي عبء العمل المنزلي على عاتقهن في الغالب مع تراجع الدعم العائلي.
في هذا الواقع، صار إعداد الأطباق بالطرق القديمة أكثر مشقة، وهو ما دفع الكثير من الأسر إلى حلول "أسرع": انتشار الطعام الجاهز، واللجوء لنسخ "سريعة" من أطباق الطهي البطيء عبر استخدام طناجر الضغط الكهربائية أو الميكروويف، والاعتماد على الكبة والخضار المجمدة والحشوات الجاهزة والكسكس سريع التحضير، وشراء كعك العيد من المخابز بدلا من خبزه في البيت.
بقيت أسماء الأطباق كما هي، لكن طقوس الإعداد الجماعي تراجعت لصالح نمط حياة أسرع وأكثر فردانية، ولا يترك متسعا كبيرا لـ"مطبخ مفتوح" على البيت والجيران كما في السابق.
ومع ذلك، لا تتوقف طقوس الطهي عند سد الجوع، فهي مرآة للتحولات السياسية والاقتصادية، ووسيلة لمقاومتها أيضا، فقد تغير الحروب والتضخم ملامح المائدة، لكن الإصرار على إشعال الفرن ليلة العيد -حتى لو كان فرنا بدائيا في خيمة مؤقتة- يظل دفاعا عن فرحة العيد، وإعلانا صغيرا عن أن الحياة ما زالت ممكنة، ولو على قدر ما تسمح به كفة الميزان بين الكلفة والوقت والظروف.







