من الجمالية قصة أم شهد تروي سر الرقاق الكامل في عيد الأضحى

عرف المصريون عبر تاريخهم أنواعا مختلفة من الخبز، حتى أصبح يطلق عليه "عيش" لكثرة استخدامه في الحياة اليومية والمناسبات المتنوعة، فصنعوا العيش والبتاو والشمسي والمرحرح، وكل نوع يتميز بصفات وخصائص شكلية تختلف حسب المنطقة، سواء في الصعيد جنوبا أو في الدلتا شمالا.
ومع الفتح العثماني، جرب المصريون نوعا جديدا من الخبز يشبه إلى حد كبير نظيره القادم من بلاد الشام، والذي حمل اسم "عيش سوري"، وكان الرقاق المصري هو نفسه العجينة العثمانية والسورية المكونة من الدقيق والملح والماء فقط، ولكن بينما استخدمه الأتراك والسوريون كخبز عادي، استخدمه المصريون كصنف أساسي على مائدة عيد الأضحى، سواء كان مغموسا في اللبن أو مغمورا باللحم والمرق.
في الأيام الثمانية التي تسبق يوم عرفة، يستعد المصريون لاستقبال العيد، ليس فقط بالأضحية أو شراء اللحوم، ولكن يتسابق الجميع لتجهيز أو شراء "رقاق العيد".
الرقاق الذي كان جزءا مهما من طقوس استقبال عيد الأضحى، حيث كانت النساء تشارك في إعداده منزليا وتجهيزه في "سبت الرقاق"، أصبح الآن يتطلب وقتا وجهدا لا تستطيع معظم السيدات القيام به، ومع ذلك لم يغب الرقاق عن مائدة عيد الأضحى، سواء كفطور أساسي "رقاق باللبن" أو على مائدة الغداء "رقاق باللحم المفروم"، وفي كل الأحوال كانت "أم شهد" أشهر خبازة رقاق في الجمالية، وصاحبة الفضل في استمراره على مائدة العديد من المنازل في القاهرة الفاطمية.
على ناصية شارع أم الغلام بالجمالية، يقع مطعم "أم شهد" الذي يستقبل الزبائن منذ العاشرة صباحا كل يوم، ويقدم مائدة يومية للقادمين بحثا عن طعام منزلي الصنع، وتضع أم شهد أطباقها من المحشي والملوخية والمكرونة بالبشاميل والجلاش والدجاج المحمر، وهي أصناف متعددة اشتهرت بها السيدة الخمسينية منذ أن تحولت من ربة منزل لا تعرف شيئا عن الحياة سوى إعداد الطعام لزوجها وأبنائها في مطبخها الصغير، إلى امرأة لم تتوقف يوما عن الحلم بتخرج أبنائها والوصول بهم إلى بر الأمان بعد الرحيل المفاجئ لوالدهم منذ 7 سنوات.
تحكي أم شهد عن ذكريات عديدة لا تفارق ذاكرتها، منذ الليلة التي دخلت فيها إلى غرفتها لتنام تاركة زوجها مع أبنائها، وأفاقت على صراخه المفاجئ إثر أزمة قلبية، لم يمهله القدر طويلا لتوديع زوجته وأطفاله، وفي غضون ساعة كان كل شيء قد انتهى، ومنذ أن دفن جثمان زوجها بدأت رحلة البحث عن عمل، لأن أمثال زوجها الراحل ممن يعملون باليومية لا يتركون ميراثا أو معاشا لذويهم بعد رحيلهم.
بابتسامة رضا، تحكي أم شهد عن محاولاتها في البحث عن عمل، وبدأت بماكينة خياطة، حيث فصلت ملاءات الأسرة ومفارش العرائس وباعتها بالتقسيط لأولياء الأمور أمام مدرسة أطفالها، ثم داهمتها كورونا ففقدت رأس مالها وانتهى مشروعها، كما حاولت العمل في مصنع ملابس، ولكنها لم تستطع الرؤية بسبب الإضاءة، فخرجت من المصنع وهي تبكي وتسأل الله ألا يتركها وصغارها لسؤال الناس، وجاءها الرد سريعا، حيث أتتها شقيقتها قائلة: "نحن لا نعرف شيئا سوى الطبخ.. سنبدأ مشروعا للطبخ وسأساعدك دون مقابل".
لم تكن الشقيقة "منى" هي الوحيدة التي ساندت أم شهد، ولكن جميع إخوتها فعلوا، وبدأت السيدة مشروعها بصفحة على فيسبوك أولا، ثم استأجرت محلا وخرجت إلى جوار مقام أم الغلام ومسجد العدوي، وقطعت عهدا على نفسها ألا ترد سائلا وأن تطعم كل المحرومين، وفي كل موسم توزع لله أكثر مما تتركه لنفسها وأبنائها، وفي موسم الأضحى هذا العام وبعد أن قل الإقبال على طبق المحشي والملوخية، قررت أم شهد أن تضيف لمشروعها صناعة "الرقاق".
كالعادة جاءت الفكرة لمنى "منجم الأفكار" كما أطلقت عليها أم شهد، فهي تتابع المواضيع الرائجة على فيسبوك وتعرف ماذا يدور خارج الحارات الضيقة في الجمالية، وسريعا تم شراء فرن لخبز الرقاق وتم توصيله بأنبوب المطعم ودارت العجلة وبدأت أكياس الرقاق تتراص أمام المحل في انتظار المشترين "أول 5 كيلوغرامات خبزناها كنا فرحانين بيهم ورصيتها قدام المحل والرايح والجاي بقى يشوف حلاوة الرقاق وفجأة عربية معدية خبطتهم اتكسروا كلهم"، تحكي أم شهد وهي تضحك: "والله لم أرضَ بعوض مقابل ما تم كسره فعوضني الله أضعافا مضاعفة في الأيام التالية".
يختلف الرقاق هذا الموسم عن مثيله في الأعوام السابقة، فمع الضجة التي أثارها نظام الطيبات أضحت الحبة الكاملة رائجة يومية على مواقع التواصل، وحين جاء أحدهم يسأل عن إمكانية عمل الرقاق بدقيق الحبة الكاملة لم تفهم ابنة القليوبية، ولكن حين عاد ومعه دقيق القمح دون فصل الردة عرفته أم شهد سريعا "طول عمرنا بنعجن ونخبز منه في البلد وبيطلع أحسن كمان من الدقيق العادي".
قسمت أم شهد عجين الرقاق لقسمين: قسم بالدقيق العادي وقسم آخر تبدأ خبزه ليلا بدقيق الحبة الكاملة الذي عرفته الجمالية متأخرا "رقاق الحبة الكاملة بيطلع كمان أحلى من الرقاق العادي وأخف وأطعم أما السعر فهو نفس القيمة".
تشتري أم شهد الدقيق المخصوص من منطقة باب الشعرية، وهناك لم يرتفع سعره كما في أغلب المناطق، ولهذا لم تغير هي سعر الرقاق الصحي عن مثيله العادي، وتنوي أم شهد أن تستكمل خبز عيش وفطائر بالحبة الكاملة بعد انقضاء موسم العيد والرقاق "الموسم بيخلص يوم عرفة واحنا بنرتاح أسبوعين بعد العيد ونرجع تاني للمحشي والملوخية والحبة الكاملة".







