الطبيعة ملاذك لصحة جسدية ونفسية أفضل: اكتشف الفوائد

في خضم الحياة المتسارعة وضغوطاتها اليومية، قد نغفل عن أهمية قضاء بعض الوقت في أحضان الطبيعة، سواء كان ذلك بالتجول في منتزه قريب أو حتى الاستمتاع بمشاهدة غروب الشمس من الشرفة.
ففي هذا السياق، كشفت دراسات علمية أن هذه الممارسات البسيطة قد تكون من أكثر الوسائل فعالية لتعزيز الصحة النفسية والجسدية.
واشارت "الجمعية الامريكية لعلم النفس" الى ان قضاء ساعتين اسبوعيا على الاقل في الطبيعة يمكن ان يعود بفوائد واضحة على الصحة الجسدية والنفسية، وليس من الضروري قضاء ساعتين متواصلتين، اذ يمكن توزيع الوقت على فترات قصيرة خلال الاسبوع.
وفي استطلاع اجراه باحثون من جامعة "انغليا روسكين" في بريطانيا، شمل اكثر من 50 الف شخص من 58 دولة، تبين ان التواصل مع الطبيعة يرتبط بنظرة اكثر ايجابية تجاه النفس بغض النظر عن العمر او الجنس، ويشمل ذلك زيادة الرضا عن الشكل الخارجي والتصالح مع الذات.
ويرى الباحثون ان الطبيعة تساعد على ذلك عبر اليتين اساسيتين: الاولى تعزيز التعاطف مع الذات، والثانية منح الدماغ حالة من "الهدوء المعرفي"، حيث تخف الضغوط الذهنية ويصبح الدماغ اقل ارهاقا.
وتشير ابحاث دنماركية شملت اكثر من 900 الف شخص الى ان الاطفال الذين نشأوا في احياء غنية بالمساحات الخضراء كانوا اقل عرضة لاحقا للاصابة بالاكتئاب واضطرابات المزاج والفصام واضطرابات الاكل وتعاطي المواد المخدرة.
كما اظهرت دراسة اخرى ان الاشخاص الذين يقضون خمس ساعات او اكثر في الخارج خلال عطلة نهاية الاسبوع يكونون اقل عرضة للاصابة بالاكتئاب الخفيف مقارنة بمن لا يقضون اكثر من 30 دقيقة خارج المنزل.
ويساعد التعرض للضوء الطبيعي يوميا خاصة في الصباح الباكر على تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، وهي الدورة الطبيعية الممتدة على مدار 24 ساعة، وعندما تتناغم هذه الساعة مع تعاقب الليل والنهار يتحسن النوم ويزداد الشعور باليقظة خلال النهار.
وتمنح البيئات الطبيعية الدماغ فرصة لاستعادة تركيزه بعد الارهاق الناتج عن ضوضاء المدن والتنبيهات المستمرة، ففي مراجعة بحثية اجراها علماء من "جامعة شيكاغو" عام 2019 تبين ان المساحات الخضراء تحسن الذاكرة والانتباه والمرونة الذهنية، بينما ترتبط البيئات الحضرية المزدحمة بزيادة تشتت الانتباه.
وتشير الدراسات الى ان قضاء الوقت في بيئة طبيعية او مساحة خضراء يساعد على خفض التوتر النفسي، وحتى 20 دقيقة فقط في الاماكن الطبيعية يمكن ان تخفض مستويات الكورتيزول، وهو هرمون التوتر، اما الانغماس الكامل في بيئة طبيعية لمدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة فيحقق اكبر انخفاض في هذا الهرمون قبل ان تبدأ المستويات بالاستقرار.
وبحسب مؤسسة "يو سي ال ايه هيلث" الطبية يساعد قضاء الوقت في الطبيعة على خفض ضغط الدم وتحسين صحة القلب سواء كان الشخص يعاني من ارتفاع الضغط ام لا.
اما الغابات فتمنح فوائد اضافية اذ ان الهواء هناك يحتوي على مركبات نباتية تسمى "الفيتونسيدات" تمتلك خصائص مضادة للبكتيريا والفطريات وتحفز الجسم على انتاج المزيد من خلايا الدم البيضاء المرتبطة بمقاومة الفيروسات والخلايا المصابة.
ووجدت دراسات اخرى ان الاشخاص الذين يشاهدون مناظر طبيعية او يقضون وقتا في الطبيعة يصبحون اكثر ميلا للطف وللتعاون والتصرف بسخاء، اذ اظهرت ان اطفال المدارس يبدون سلوكا اكثر تعاطفا بعد رحلات الى اماكن طبيعية مقارنة بزيارات الى متاحف او اماكن مغلقة، ويربط الباحثون ذلك بما يسمى "مشاعر الدهشة والانبهار" التي تمنح الانسان احساسا بانه جزء من شيء اكبر منه ما يعزز الترابط والتعاطف.
ورغم ان الاماكن البرية البعيدة تمنح تاثيرا اقوى يؤكد الباحثون ان اي مساحة خضراء حتى داخل المدن افضل من لا شيء.
فالمشي القصير في حديقة قريبة او الجلوس قرب بحيرة او حتى التوقف للاستماع الى العصافير يمكن ان يحدث فرقا ملحوظا، المشكلة الحقيقية اليوم لا تكمن فقط في قلة الوقت بل في الانفصال المتزايد عن العالم الطبيعي، فكلما ابتعد الناس عن الطبيعة تراجعت ايضا رغبتهم في حماية البيئة او التعامل بجدية مع قضايا مثل التغير المناخي وفقدان التنوع الحيوي.
وفي زمن تقضي فيه الاعين وقتا اطول على الشاشات بدلا من تامل المناظر الطبيعية ربما تصبح العودة الى الطبيعة واحدة من ابسط الطرق لاستعادة التوازن الذهني والجسدي معا.







