دموع ورايات بيضاء.. هكذا يعيش الليبيون رحلة الحج

طرابلس – ودعت ليبيا اخر افواج حجاجها المتجهين الى الاراضي المقدسة، وفي مشاهد امتزجت فيها الدموع بالدعوات والزغاريد داخل المطارات الليبية، بينما احاطت العائلات بذويها حتى اللحظات الاخيرة.
وفي مطار معيتيقة الدولي بطرابلس، حيث حضرت "الجزيرة نت" تفويج اخر الرحلات، بدت قاعات السفر مزدحمة بمشاعر متداخلة، فامهات يوصين ابناءهن بالدعاء، واطفال يلتفون حول اجدادهم، فيما كانت اصوات الوداع تختلط بنداءات الرحلات واجراءات السفر الاخيرة.
ولم تختلف المشاهد كثيرا في مطارات بنغازي ومصراتة وسبها وطبرق والابر; التي شهدت خلال الايام الماضية توافد الاف الحجاج ضمن رحلات التفويج المتواصلة منذ السابع من مايو/ايار الجاري.
ورغم تغير تفاصيل الحياة اليومية والظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد خلال السنوات الاخيرة، ما تزال رحلة الحج في ليبيا تحتفظ بمكانتها بوصفها مناسبة دينية واجتماعية استثنائية، تتجاوز حدود السفر لاداء المناسك الى طقوس متوارثة ترتبط بالهوية والعائلة والذاكرة الشعبية.
وتبدا الاستعدادات للحج في عدد من المدن والقرى الليبية قبل موعد السفر باسابيع، واحيانا منذ اعلان نتائج القرعة واختيار الحجاج، وتحرص عائلات كثيرة على احياء عادات اجتماعية ارتبطت بالحج لعقود طويلة، من بينها رفع "الراية البيضاء" فوق المنازل وعلى السيارات التي تقل الحجاج الى المطار، في تقليد شعبي يرمز الى الفرح والدعاء بعودة الحاج سالما.
كما تتكرر مشاهد التجمعات العائلية والولائم التي تقام لتوديع الحجاج، الى جانب طقوس اخرى مثل سكب الماء خلف الحاج اثناء مغادرته المنزل، وهي عادة شعبية قديمة ترمز للتفاؤل بالسلامة والعودة الامنة.
وقالت الحاجة خدوج البكوش، المتجهة الى الاراضي المقدسة، ان العائلة حضرت الى المطار وهي ترفع "الراية البيضاء"، مستعيدة ذكريات قديمة مرتبطة بتوديع والديها للحج.
واضافت "للجزيرة نت": "كنا نعيش ايام التشويق قبل سفر الحجاج، حيث يجتمع الاقارب لعدة ايام وسط الغناء الشعبي والدفوف والولائم، واليوم تكرر المشهد نفسه مع اخوتي واخواتي واطفالهم وهم يودعوننا".
وتحافظ عائلات ليبية كثيرة على الطقوس والعادات المرتبطة بموسم الحج، كما هو الحال مع عادة "التشويق" قبل سفر الحجاج، عبر مسيرات شعبية وانشاد قصائد تراثية تعبر عن الشوق الى بيت الله الحرام، في مشهد يعكس حضور البعد الروحي والاجتماعي للحج داخل المجتمع، اذ تتحول المناسبة في بعض المناطق الى تجمعات اجتماعية واسعة يشارك فيها الاقارب والجيران في توديع الحجاج والدعاء لهم بالقبول والعودة سالمين.
وتاتي هذه الاجواء الاجتماعية في وقت تشهد فيه تكاليف الحج ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الاخيرة، بالتزامن مع تراجع قيمة الدينار الليبي وارتفاع تكاليف السفر والخدمات.
وبحسب بيانات حكومية، تتجاوز تكلفة الحج للشخص الواحد هذا الموسم 50 الف دينار ليبي (نحو 10300 دولار)، تشمل تذاكر السفر والاقامة والتنقل والخدمات داخل الاراضي المقدسة، بينما اعلنت حكومة الوحدة الوطنية استمرارها في تحمل تكاليف الحج للموسم الرابع على التوالي.
وفي تصريح خاص للجزيرة نت، اوضح مدير المكتب الاعلامي بالهيئة العامة لشؤون الحج والعمرة حاتم اللافي ان عدد الحجاج الليبيين هذا العام بلغ حوالي 7800 حاج، جرى تفويجهم عبر مطارات طرابلس وبنغازي ومصراتة وسبها وطبرق والابر;، عبر 40 رحلة جوية تقريبا.
واضاف اللافي ان الرحلات انطلقت "بانسيابية ودون تسجيل تحديات كبيرة"، مشيرا الى ان الهيئة عملت بالتنسيق مع الجهات المعنية على تنظيم الرحلات والاقامة داخل مكة والمشاعر المقدسة.
وقال ان الحجاج الذين وصلوا الى الاراضي المقدسة "اثنوا على مستوى التنظيم والخدمات"، مضيفا ان الرحلات سارت وفق مواعيدها المقررة دون تسجيل تاخيرات كبيرة.
وداخل مطار معيتيقة، انتشر متطوعو الهلال الاحمر والكشافة بين الحجاج لتقديم المساعدة والارشاد، خاصة لكبار السن وذوي الاعاقة.
وقال معاذ الزرقاني، الناطق الرسمي باسم جمعية الهلال الاحمر الليبي فرع طرابلس، ان فرق الهلال الاحمر شاركت منذ بداية موسم التفويج في استقبال الحجاج وتقديم الدعم الانساني والارشادي لهم داخل المطار.
واوضح للجزيرة نت ان المتطوعين تولوا مرافقة كبار السن وذوي الاعاقة منذ وصولهم الى المطار وحتى صعودهم الى الطائرة، اضافة الى توزيع مطويات توعوية ومياه شرب بالتعاون مع الهيئة العامة لشؤون الحج والعمرة.
ومن جهتها، قالت منجية الغدامسي، القائدة في مفوضية الكشافة فرع طرابلس المركز، ان فرق الكشافة شاركت في تنظيم حركة الحجاج داخل المطار ومساعدتهم منذ لحظة وصولهم في اجراءات التسجيل والتنقل داخل المطار، قبل تسليمهم الى المشرفين المكلفين باستكمال ترتيبات السفر.
واكدت الغدامسي وجود تعاون واسع بين الكشافة والهلال الاحمر والجهات المشرفة على التفويج، معتبرة ان مشاركة الشباب الليبي في خدمة الحجاج "تعكس روح التكافل والتعاون خلال موسم الحج".
وبالنسبة لكثير من الحجاج، لا تمثل الرحلة مجرد انتقال الى الاراضي المقدسة، بل لحظة انتظروها لسنوات طويلة، وقال الحاج محمود النجار، وهو ليبي مسن يستعد لاداء المناسك هذا العام، انه ظل ينتظر هذه اللحظة اعواما طويلة قبل ان يظهر اسمه اخيرا في قرعة الحج.
واضاف للجزيرة نت ان افراد عائلته واقارب زوجته حضروا جميعا الى المطار لتوديعه، بينما كانت ابنته واحفاده الاكثر تاثرا خلال لحظات الوداع، موضحا ان العائلة اوصته بالدعاء لها عند وصوله الى الاراضي المقدسة، وبابلاغ السلام الى النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند زيارة المسجد النبوي.
ووصف الحج بانه "رحلة العمر"، مضيفا: "فرحتنا كبيرة جدا، ونسال الله ان يوفقنا لاداء المناسك وان يتقبل منا الحج".
اما ابنته وداد النجار، فقالت ان مشاعر العائلة اختلطت بين الفرح والتوتر، موضحة ان الاسرة بدات الاستعداد للحج منذ اعلان نتائج القرعة، حيث شارك الجميع في تجهيز احتياجات والديها.
وذكرت ان الايام الماضية شهدت تجمعات عائلية متواصلة لتوديعهما، تخللتها اغان شعبية واجواء احتفالية اعادت الى العائلة ذكريات مواسم الحج القديمة، وفي المقابل، قالت الحاجة خدوج البكوش انها ظلت تسجل في قرعة الحج منذ عام 2012، وانها لم تستوعب خبر اختيارها ضمن الحجاج هذا العام من شدة الفرح.
واضافت وداد: "الحج له رهبة وفرحة مختلفة عن اي رحلة اخرى، رغم انني سبق ان سافرت واديت العمرة، لكن لا شيء يشبه شعور الحج"، واكدت ان لقب "الحاج" و"الحاجة" ما يزال يحمل مكانة خاصة داخل المجتمع الليبي، لما يرتبط به من قيمة معنوية واجتماعية في الوعي الشعبي.
ومع استمرار مواسم الحج عاما بعد اخر، تبدو الطقوس المرتبطة بتوديع الحجاج في ليبيا محاولة للحفاظ على جزء من الذاكرة الاجتماعية والهوية المحلية، حتى في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الاخيرة.







